بسم الله الرحمن الرحيم
في يوم عرفة:كيف يستعيد المسلم والأمة الثقة بالنفس؟
قال الله تعالى:
(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
قد نقرأ هذه الآية على أنها خطاب تسليةٍ نفسيةٍ عابرة، أو أنها مجرد نداءٍ عاطفيّ يُراد به التخفيف عن لحظة انكسار، لكن الأصح أن نقرأها قانوناً قرآنيّاً عميقاً في بناء الإنسان والأمة، يكشف أن العلوّ الحقيقي لا يبدأ من امتلاك القوة المادية وحدها، وإنما يبدأ أولاً من استعادة الثقة بالذات الرسالية، والثقة بالله، والثقة بمعنى الوجود والغاية والتاريخ.
ليست أزمة الأمة اليوم أزمة مواردٍ أو قدراتٍ بقدر ما هي أزمة وعيٍ وثقةٍ بالذات الرسالية. فالأمم تسقط حين تفقد إيمانها بنفسها ومعنى وجودها. ولهذا جاءت الآية الكريمة بعد معركة أُحد لا لتصف الواقع فحسب، بل لتمنع تحوّل الهزيمة العسكرية إلى انهيارٍ نفسيّ وحضاري.
إن الثقة بالنفس في الرؤية الإسلامية لا تقوم على الغرور أو التعالي، بل على معرفة الإنسان بحقيقته: أنه مخلوقٌ مكرّم، مستخلفٌ في الأرض، مرتبطٌ بالله لا بالمقاييس الأرضية الزائلة. فحين يفقد المسلم صلته بالقرآن بوصفه كتابَ بناءٍ للإنسان والحضارة، ويتحول الدين إلى طقوسٍ معزولة عن صناعة الحياة، تنشأ الهزيمة الداخلية مهما امتلكت الأمة من إمكانات.
ولهذا ربط القرآن الكريم العلوّ بالإيمان: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، أي إن مصدر القوة الحقيقي هو الوعي الإيماني بالرسالة، والثقة بالله، وفهم معنى الاستخلاف. فالمؤمن لا يعيش تابعاً مبهوراً بالآخر، ولا أسيرَ عقدة نقص، لأنه يستمد قيمته من انتمائه لله ورسالة الحق.
كما أن استعادة الثقة لا تعني إنكار أسباب التراجع، بل تعني امتلاك الشجاعة لمراجعة الذات دون السقوط في اليأس. فالقرآن يعلّم الأمة أن التداول سنة، (وتلك الأيام نداولها بين الناس) وأن النهوض يبدأ بإعادة بناء الإنسان علماً ووعياً وأخلاقاً، لا بالاكتفاء بالشعارات أو اجترار أمجاد الماضي.
ومن أعمق المحطات التي يعيد فيها الإسلام بناء الثقة بالنفس: يوم عرفة. ففي هذا اليوم يعود الإنسان إلى فطرته الأولى، مجرداً من أوهام القوة الزائفة، واقفاً بين يدي الله، مستشعراً أن قيمته الحقيقية ليست بما يملك، بل بقربه من الله وصدقه معه، وبالوحدة مع المسلمين، لا بالإنفراد بالإنتماءات الطائفية والقومية والعنصرية.
وفي عرفة تتحرر النفس من اليأس؛ لأن الإنسان يوقن أن باب الرحمة مفتوح مهما كثرت الإخفاقات، وأن البداية الجديدة ممكنة دائماً. ومن هنا يولد الرجاء الذي يعيد للإنسان قدرته على النهوض بعد الانكسار.
كما تستعيد الأمة في عرفة وعيها بوحدتها الكبرى؛ إذ تجتمع الأجساد والقلوب والوجوه نحو قبلةٍ واحدة، فتذوب الفوارق المصطنعة، وتظهر حقيقة الأمة الواحدة التي تحمل هماً واحداً ومصيراً واحداً.
ولهذا فإن يوم عرفة مدرسةٌ لإحياء الإرادة، وترميم الروح، واستعادة الثقة بالله والنفس والأمة. وكأن الرسالة القرآنية تتجدد فيه كل عام:
قد تتعثر الأمة، لكنها لا تُهزم ما دامت تعرف ربها، وتؤمن برسالتها، وتملك القدرة على النهوض من جديد.
اللهمَّ في يومِ عرفة، أيقِظْ في قلوبِنا نورَ اليقين، وانزِعْ عنا ضعف الخائفين، واجعلنا بك أقوياء، ولرسالتك أوفياء، ومن رحمتك راجين، وعلى طريقِ النهوضِ سائرين.
اللهمَّ أَعِدْ إلى الأمةِ ثقتها بك، وابعثْ فيها روحَ العزيمةِ بعد الفتور، ووحدةَ القلوبِ بعد الشُّرور، وافتحْ لها أبوابَ الهدايةِ والنور.
واجعل يومَ عرفةَ ميلادَ روحٍ جديدة، ونفوسٍ رشيدة، وأمةٍ بكتابك مستنيرة، وبوعدك مطمئنّة، وبك مستجيرة.


