التَوَلّـِي .. وخطره على الأمة

(وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمۡثَٰلَكُم)

هذه الآية الكريمة من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، تحذير إلهي وقانون رباني في حركة التاريخ: من أعرض عن منهج الله، استُبدِل بغيره. ومن تولّى عن رسالة النبي، جاء الله بغيره ممن يحملونها بإخلاص.
الاستبدال هنا لا يعني فقط ذهاب أناس ومجيء آخرين، بل يشمل استبدال الأفكار والثقافات والمناهج؛ أي انتقال القيادة الحضارية من أمةٍ خانت ولاءها لله إلى أمةٍ صادقة في حمل الأمانة.

أولاً: ما معنى (التَوَلّـِيْ)؟

التَولّي في لغة القرآن هو انصراف قلبي وولائي وفعلي. أي أن تتبدل وجهة القلب والعقل والعمل من الولاء لله ورسوله واتباعهما إلى الولاء لغيرهما والعمل بمناهج تعود لمن يصد عنهما.
وقد يكون هذا (الغير) سلطةً سياسية، أو ثقافةً غربية أو شرقية، أو نموذجاً بشرياً يُتَّبع بلا ميزانٍ إيماني.
إن أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس فقدان الثروات واحتلال البلدان، أو التخلف التقني، بل فقدان الولاء الثقافي والعقائدي. حين تُغيَّر البوصلة من (الله ورسوله والرسالة)، إلى المصلحة الذاتية، ومظاهر القوة المادية ومسايرة الأقوى؛ فحينها يبدأ الاستبدال.

ثانياً: الولاء السياسي المنحرف من أخطر أنواع التولّي

الولاء السياسي يعني تأييد حاكمٍ أو منهج سياسي أو دولة، وحقيقته موقف من الحق والباطل. حين يُقدَّم رضا السياسيين على رضا الله ورسوله، يبدأ الانحراف.
كثيرون عبر التاريخ كانوا يظنون أنهم يخدمون دينهم بدعم سياساتٍ ظالمة، أو بالسكوت عن انحرافاتٍ تُسحق فيها القيم باسم (المصلحة العامة)، لكنهم في الحقيقة وقعوا في تولٍ سياسيٍ يبعدهم عن روح الرسالة.

القرآن الكريم حين يقول: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) إنما يربط الولاء بالمصير، فالقلب الذي يرضى بالباطل يصبح جزءاً منه.
فلا تستهينوا بدينكم باتباع هذه النماذج المتولية من ساسة العصر المرتبطين بأعداء الإسلام.
ولهذا يجب على شباب الأمة أن يميّزوا بين الولاء للوطن والعدل والحق (وهو ولاءٌ محمود) وبين الولاء السياسي الذي يجعلهم تابعين للباطل وطواغيته في العالم، ومسوّغين للظلم المحلي والدولي واحتلال البلدان ونهب ثروات الشعوب، وهو ولاء مرفوض بل مدمّر.

ثالثاً: أخطر أنواع التولي.. التولي الثقافي نحو الغـ.رب

التبعية السياسية قد تُصلحها ثورة أو استقلال، لكن التبعية الثقافية أخطر لأنها تسكن العقول والقلوب بتسلل خبيث.
حين يبدأ المسلم يشعر أن طريق التقدم هو أن يكون نسخةً عن الغرب، وأن قِيَم النجاح هي ما تحدده الشاشات الغربية والعميلة لها، وأن الجمال والحرية والإنسانية كما يعرّفها الإعلام هناك، وأن السعادة والرقي في تقليد حياتهم وفسادهم ومشاهيرهم، وما تمثله مسلسلاتهم وأفلامهم، فهذا وقوع في تولٍ عن الله ورسوله وهو تولٍ ثقافي خطير.
الذوبان في الثقافة الغربية لا يبدأ بتقليد اللباس أو اللغة، لكن الأخطر هو فقدان مركزية الوحي في فهم الإنسان والكون.
فيصبح الوحي (تراثاً جميلاً غير صالح)، بينما يصبح النموذج الغربي هو الحاضر والمستقبل. وهنا يتحقق قوله تعالى:(وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُم) أي: سيأتي غيركم ممن لا ينخدع ببريق الغرب، بل يثبت أمام المغريات جاعلاً القرآن والنبي هما المرجع والمصدر.

رابعاً: الاستبدال الحضاري.. عقوبة من سنن الله

حين تتولى أمة عن قيمها، لا تحتاج السماء أن تُرسل عليها صاعقة. يكفي أن تنسحب منها روح الرسالة، فيحل الضعف والانقسام مكان القوة والإيمان، وهذه صورة ثانية للاستبدال، إنه استبدال حضاري:
1- تُبدَّل لغتنا ولَبوسُنا وعاداتنا.
2- تُمحى رموزنا ومقدساتنا من الذاكرة العامة.
3- يُستبدل نموذج القدوة في أذهان الشباب من رسل الله وأوليائه الصالحين وعلماء الأمة، إلى مغنّين أو ممثلين، أو سياسيين فاسدين، أو مشاهير منحرفين.

هذا هو الاستبدال الأخطر الذي نحذر منه: أن يُستبدل فكر الأمة وروحها دون أن تشعر، فتصحو يوماً وهي أمة بلا هوية.

خامساً: كيف نعيد الولاء إلى موضعه الصحيح

الولاء لله ورسوله لا يعني الانغلاق، بل يعني الاستقلال بالمعيار: أن يكون ميزاننا هو الوحي، لا إعلام العدو.
ولذلك فإن عودة الولاء الصحيح تمر بثلاث خطوات عملية:

  1. الوعي: أن ندرك خطر التقليد الأعمى للغرب أو الشرق، وأن نفهم أن قوتهم ليست في ماديتهم فقط بل في محافظتهم على هويتهم.
  2. المعرفة: أن نقرأ القرآن والسيرة بعين الباحث المتدبر لا الموروث، فنستخرج منهما المنهج الإسلامي الحضاري للعمل والإبداع.
  3. العمل الثقافي والإعلامي: أن نعيد نشر الثقافة المحمدية (ثقافة الرحمة والعدل والكرامة ) عبر الإعلام والكتاب والفن والتعليم، بلغة العصر وبجمالٍ يليق برسالة السماء.

سادساً: رسالة إلى شباب الأمة

أيها الشباب المؤمن، لا تكونوا أداة في مشاريع الاستبدال الحضاري، ولا تجعلوا عقولكم ساحةً لمعركة الآخرين.
انظروا في كل إبداع في تأريخ أمتكم، ففيه العِلم والفكر والفن والرحمة والكرامة. الإسلام لم يأتِ ليحبس الإنسان، بل ليحرّره من عبودية البشر إلى عبودية الله وحده.
كونوا أنتم جيل الولاء الجديد: ولاء لله ورسوله، وفكر مؤمن، وثقافة تُبدع أكثر مما تُقلّد، وأمل يُنبت من رحم الإيمان لا من محاكاة الأعداء المتربصين.
إن التولي عن الله ورسوله لا يكون دوماً بترك الصلاة أو الشعائر، بل يكون أيضاً بترك الفكر والثقافة التي جاء بها الرسول.
وحين يحدث ذلك، تبدأ مرحلة (الاستبدال) التي رأتها الأمم المتولية في سقوطها الثقافي والخلقي قبل سقوطها السياسي.
فلنستيقظ قبل أن نُستبدل، ولنعُد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا بالشعارات، بل بالفكر والثقافة والمنهج والتأسّي، ننهل من معينه لنبني مستقبلاً يليق بخير أمة أخرجت للناس، عزيزة كريمة موحدة.
وليكن شعاركم أيها الشباب المحمدي: عهداً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
نعود لمنهاجه … ولن نستضيءَ إلا بسراجه

كتبه
السيد
محمدي أبو صالح
عبد القادر الحسني
الگيلاني الالوسي

المحمدية_البيضاء

معاً_إلى_رسول_الله

الإسلام_المحمدي

السلم_المحمدي

كهفنا_محمدنا

الراية_المحمدية

الرباط_المحمدي

كونوا_محمديين_تفلحوا

المحمدية_تجمعنا

كن_محمدياً

Share with

Start typing and press Enter to search