العلـمانية حين تكشف عن وجهها الحديدي: مفارقة الحرية القاتلة
في مشهد من مشاهد العصر التي تُعرّي الخطاب الغربي وتكشف خواءه الأخلاقي، خرج الرئيـ.س الأمـ.ريكـ.ي ترامـ.ب يتفاخر بجوار ضحاياه في غزة بأنه صنع أقوى الأسلحة في التاريخ، وأنه زوّد بها حليفته لحسم المعارك ولتظهر القوة الأمـ.ريكـ.ية في العالم.
لكن أي قوة هذه التي تُحمل على أجنحة الموت لتحصد أرواح الأطفال والنساء وكبار السن في المدن المدمّرة؟!
أي حضارة تلك التي تُقاس بعدد آلات الموت لا بعدد العقول المنقذة؟!
وأي مدنية يُفاخر بها من يجعل من دماء الأبرياء مادةً لإبراز تقدمه.
هنا تتجلّى المفارقة العظمى في الفلسفة السياسية الغربية الحديثة، بين شعارات الحرية والإنسانية التي تُرفع في المحافل، وبين الواقع الإمبـ.ريالي المتوحّش الذي لا يرى في الإنسان إلا رقماً في معادلة المصالح.
العلـ.مانية التي وُلدت يوم أرادت أوروبا أن تتحرر من تسلط الكنيسة، تحوّلت اليوم إلى أداة لتبرير السيطرة لا لتحرير الإنسان، فاستبدلت الكهنوت الديني بكهنوت المال والسلاح والإعلام.
وبينما يتحدثون عن (دعاة المدنية)، يُقصف المدنيون.
وبينما يتحدثون عن (الحرية)، تُسحق حريات الشعوب تحت جنازير دباباتهم.
هكذا صارت العلمانية حين تخلع قناعها الأخلاقي، ويبرز وجهها الحديدي القاتل.
الحقيقة التي باتت واضحة أن الغرب لم يعد يملك مشروعاً إنسانياً عالمياً، بل يملك مشروعاً تقنياً واقتصادياً متغطرساً، تحركه شركات السلاح والنفط والبنوك.
ولذلك، فحين يُحدثنا السياسي الغربي عن (حقوق الإنسان)، فإن المقصود غالباً حقوق الإنسان الغربي فقط، أما غيره، فوجوده مشروط بمدى نفعه في دورة رأس المال أو موقعه في خريطة النفوذ.
الحرية التي يتحدثون عنها ليست حرية الإنسان في أن يكون إنساناً، بل حرية الأقوى في أن يفرض معاييره على الضعفاء.
والمدنية التي يزعمونها ليست مدنية الروح والعقل، بل مدنية السوق والسلاح، التي تجعل من القتل تجارة ومن الدمار أرباحاً.
إن هذا التناقض الصارخ بين القيم المعلنة والممارسات الواقعية ليس حادثاً عرضياً، بل هو نتاج فلسفة مادية ترى في القوة معياراً للحقيقة.
فمنذ أن أهملت الحداثة الخضوع لخالق الكون. أضحت (الإرادة البشرية) وحدها معيار الخير والشر، وبهذا فتحت الباب أمام كل أشكال الطغيان المقنّن.
ولذلك نجد أن من يصنع السلاح لقتل الإنسان، هو نفسه من يكتب الميثاق لحماية الإنسان!
ومن يفرض الحصار على الأمم، هو نفسه من يتحدث عن إنقاذها!
لقد آن للعالم أن يفيق من وهم (الحرية الغربية) التي تُسوَّق كخلاصٍ حضاري وهي في حقيقتها قيدٌ مزخرف على أعناق الشعوب.
التحرر الحقيقي لا يكون من الدين بل من عبودية المصالح.
والمدنية الحقيقية لا تقوم على ناطحات السحاب بل على سمو الضمير الإنساني.
إن حضارة تقتل الأطفال ثم تعقد مؤتمرات عن الطفولة، وتبكي على حقوق الإنسان بعيون تلمع ببريق الفوسفور الأبيض، ليست حضارة، بل مأساة محضرة.
وإنسانية تُقاس بكمية الدماء التي تتجاهلها ليست إنسانية، بل قناعٌ لأنياب وحش.
لقد آن للأمم أن تبحث عن نموذج حضاري عريق، يقوم على التوازن بين العلم والإيمان، بين القوة والرحمة، بين الإنسان والسماء. إنسانية إنسان يخاطبه الذي خلقه بـ(وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ)، الذي أسس للبشرية بقوله ( لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأحمر على أسودَ ، ولا لأسودَ على أحمر إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ.)، وليس بقوة السلاح الفتاك.
وهنا يأتي العتب المرّ على شباب الأمة الواعي:
كيف يُخدع ببريق الشعارات الباهتة فيترك حصن نبيه الكريم وأخلاقه التي علّمت الإنسان معنى الرحمة، ليلهث وراء مصانع الموت التي أكلت قلب الإنسانية؟
كيف ينسى أن إسلام نبيه الأول وليس إسلامات لاحقة مدعاة، بل المحمدية البيضاء الأولى التي جعلت من العلم سبيلاً، ومن الرحمة منهجاً، ومن الإنسان خليفةً لله في الأرض؟
كيف يرضى المثقف المسلم أن يكون تابعاً لمَن فقدوا البوصلة الأخلاقية، وقد ورث هو من رسالات الأنبياء ضياء العدل والإحسان؟!
إن الأمم لا تُقاس بما تستورده من التقنية، بل بما تُصدره من قيم.
وحين يُدرك شباب الأمة أن أصالة حضارتهم ليست في ماضي دعاة الإسلام من الطغاة والظلمة، بل في روحه الحيّة، وسماحة قرآنهم الخالد، وخلق نبيهم العظيم، يومها فقط سيتحرر الإنسان المسلم من الاستلاب الفكري، ويستعيد العالم توازنه الإنساني المفقود.
كتبه
السيد عبد القادر الحسني الگيلاني الآلوسي
المحمدية_البيضاء
معاً_إلى_رسول_الله
الإسلام_المحمدي
السلم_المحمدي
كهفنا_محمدنا
الراية_المحمدية
الرباط_المحمدي
كونوا_محمديين_تفلحوا
المحمدية_تجمعنا
كن_محمدياً


