ضمن المجلس المحمدي المنعقد في رحاب مسجد الالوسي في مدينة الفلوجة العراقية ألقى سماحة السيد عبد القادر الحسني الالوسي محاضرة بعنوان: في محن الأمة دروسٌ للثبات وبشارةٌ بزوال قوة الباطل
تحدث السيد الالوسي عن ربط القران الكريم بين تمحيص المؤمنين ومحق الكافرين.
وبين أن ما تمرّ به الأمة من فتن ومحن وتغلّب للأعداء، يستدعينا إلى تعلم كيف يوجّه القرآن المؤمنين إلى فهم هذه الشدائد، ومواجهتها بالصبر والثبات ومراجعة النفس، مع الحفاظ على الأمل بنصر الله.
وانطلقت المحاضرة من الآيات التي نزلت بعد معركة أُحد، حين كان المسلمون يعيشون ألم الجراح والحزن على شهدائهم. فقد خاطبهم الله بقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ليواسيهم ويعلّمهم أن أحوال القوة والضعف تتغير، وأن ما أصابهم يحمل دروساً ينبغي أن يتعلموها.
وأوضحت المحاضرة أن غلبة الظالم في وقت من الأوقات لا تعني رضا الله عنه، فقد قال سبحانه في السياق نفسه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. ومن هنا، لا يصح أن نحكم على مستقبل الأمة من لحظة ضعف تعيشها، أو أن نعدّ قوة المعتدي ضماناً لبقاء سلطانه.
وكان محور المحاضرة قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]. وبيّنت أن التمحيص يعني التنقية والاختبار، كما يُنقّى المعدن من الشوائب ليظهر أصله الجيد. وكذلك تكشف المحن صدق المؤمنين وثباتهم، وتدعوهم إلى إصلاح ما في أنفسهم وصفوفهم من ضعف وتقصير. أما المحق فيحمل معنى النقص والزوال وإبطال القوة التي يقوم عليها الباطل.
وقدمت المحاضرة اقتران التمحيص بالمحق بوصفه باباً للرجاء؛ ففي الوقت الذي يظن فيه المعتدي أن قوته قد استقرت، قد تكون أسباب زوالها قد بدأت، وفي الوقت الذي يتألم فيه المؤمنون، قد يكونون في مرحلة إعداد لحمل مسؤولية أكبر. ولهذا دعت إلى الصبر الذي يحفظ المبادئ، والثبات الذي يصاحبه العمل والتضحية، وعدم الاستسلام للإحباط.
ولتقريب هذه المعاني، استعرضت المحاضرة مواقف من حياة الأنبياء. فقد صنع نوح عليه السلام السفينة بأمر الله، وكان قومه يسخرون منه، لكنه واصل عمله حتى جاء الطوفان، فكانت السفينة التي سخروا منها طريق نجاة المؤمنين. وواجه إبراهيم عليه السلام قومه بالحجة، ثم حطّم أصنامهم، فجمعوا له النار وأرادوا إحراقه، فأبطل الله كيدهم بقوله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وتوقفت المحاضرة عند لفتة بيانية في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ إذ جاء اسم إبراهيم مباشرة بعد فعل الابتلاء، وقبل ذكر الفاعل «ربّه». وقرأت المحاضرة في هذا التقديم إبرازاً لإبراهيم في مقام الامتحان، وإشارةً إلى إحكام ابتلائه؛ فقد واجه تكاليف عظيمة، وأتمّها بصدق وثبات، ثم جاءه قول الله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. وبذلك ربطت المحاضرة بين الوفاء في الاختبار والاستعداد لحمل مسؤولية القيادة والقدوة.
وفي قصة موسى عليه السلام، بلغ الخوف بقومه غايته حين وجدوا البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم، فظنوا أنهم سيُدركون. لكن موسى قال بثقة: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ثم فتح الله لهم طريق النجاة في البحر، وأغرق فرعون وجيشه. وأبرزت المحاضرة من هذه المواقف أن اشتداد المحنة لا يعني انقطاع الأمل، وأن الثبات على أمر الله قد يسبق فرجاً لا يراه الإنسان في لحظة خوفه.
كما تناولت المحاضرة الابتلاء في حياة الفرد من خلال قصة الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه، أحد الصحابة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك. فقد اعترف للنبي ﷺ بأنه لم يكن يملك عذراً، ثم مرّ بفترة مقاطعة شديدة حتى ضاقت عليه نفسه. وفي أثناء ذلك وصلته رسالة من ملك غسان تدعوه إلى الالتحاق به وتعرض عليه المواساة، لكنه أدرك أن هذا العرض امتحان آخر لوفائه، فأحرق الرسالة وبقي ثابتاً على توبته، حتى أنزل الله قبولها.
وبيّنت أن هذه القصة تعلّم المؤمن أن الاختبار قد يأتي في صورة ألم يحتمله، أو في صورة راحة تُعرض عليه مقابل التخلي عن أمانته. فالنجاح في المحنة يحتاج إلى بصيرة تميّز ما يحفظ الإنسان على الحق مما يبعده عنه، ولو بدا مخرجاً سهلاً من معاناته.
وتوقفت المحاضرة عند الحديث الصحيح عن مواجهة المسلمين للروم في الأعماق أو دابق، وما ورد فيه من فرار بعض المقاتلين، واستشهاد آخرين، وفتح الله على أيدي الثابتين. واستحضرت هذا الحديث للتأمل في اختلاف مواقف الناس حين تشتد المواجهة، وفي منزلة الصمود والتضحية، وما يتطلبه النصر من صدق وثبات.
وأكدت كذلك أن قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا يعني أن الله يجهل أحوال عباده قبل امتحانهم؛ فهو سبحانه يعلمهم، وإنما تظهر في الابتلاء حقيقة مواقفهم، ويتحول ما يقولونه عن إيمانهم إلى عمل يشهد بصدقهم.
وفي بيان أثر البلاء في تنقية الإنسان، ذكّرت المحاضرة بقول النبي ﷺ لأم السائب حين سبّت الحمى: «لا تسبّي الحُمّى، فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يُذهب الكير خبث الحديد». والكير أداة ينفخ بها الحداد الهواء لإشعال النار التي يُنقّى بها المعدن. وبهذا التشبيه قرّب النبي ﷺ معنى تطهير المؤمن من خطاياه بما يصيبه من مرض وألم.
واختُتمت المحاضرة بدعوة أبناء الأمة إلى حفظ الأمل بالله، والثبات على المبادئ، والاستفادة من المحن في إصلاح النفس وتقوية الصفوف. وأكدت أن ما يقدمه المؤمنون من صبر وتضحيات لا ينبغي أن يقودهم إلى اليأس، بل إلى مزيد من الوعي والعمل والثقة بالله، مع الدعاء بأن يجعلهم من الناجحين في اختباراتهم، وأن ينصر المظلومين ويُبطل كيد المعتدين.
وبعد المحاضرة أقيم ختم الذكر الشريف واختتم بتلاوة قرآنية مباركة ثم المدائح النبوية
























