انعقد المجلس المحمدي في رحاب مسجد الالوسي في مدينة الفلوجة/ الانبار/العراق.

وقد ابتدأ المجلس بمحاضرة السيد عبد القادر الحسني الالوسي رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي بعنوان (مقامات الذاكرين) وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبنا وسيدنا ومولانا محمد واله الطيبين الطاهرين ورضي الله عن صحابته والتابعين له بإحسان أما بعد:
فيقول قدوة العارفين، سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني قدّس سرّه العزيز:
«متى ذكرته بلسانك فأنت تائب، ومتى ذكرته بقلبك فأنت سالك، ومتى ذكرته بسرّك فأنت عارف».

في هذه الكلمات الوجيزة يرسم الشيخ قدس سره طريقاً للذاكرين، يبدأ من اللسان، ويمرّ بالقلب، وينتهي إلى السرّ. لكن ما الفرق بين هذه المقامات؟ وهل يكفي أن يجري الذكر على اللسان حتى يكون صاحبه من الذاكرين؟ وما الذي يزيده ذكر القلب على ذكر اللسان؟ ثم ما ذكر السرّ الذي جعله الشيخ مقام العارفين؟

لنتأمل أولاً قوله: «متى ذكرته بلسانك فأنت تائب». لا يُراد بذكر اللسان أن تتحرك الشفتان بألفاظ الذكر والقلب غافل غفلةً كاملة؛ فالذي لا يشعر بما يقول، ولا ينتبه إلى الذكر، لا يصح أن نعدّه ذاكراً على الحقيقة. إنما المقصود ذكرٌ يعيه اللسان، ويقع عليه قدر من الانتباه، وإن لم يبلغ بعدُ حضور القلب وكماله.

وذكر اللسان في هذا المقام ليس ترديداً للألفاظ فحسب، بل هو انتقال باللسان من الذنب إلى الطاعة: أن يكفّ صاحبه عن الغيبة والنميمة والكذب والبهتان، وعن كل قول لا يليق، ويشغله بذكر الله. فكأن الذكر يطهّر اللسان مما اعتاده من آفات، ويأخذه من طريق المعصية إلى طريق الطاعة.

ولهذا سمّى الشيخ صاحب هذا المقام «تائباً». فالتوبة رجوعٌ عن الذنب، وليست دعوى تُقال باللسان؛ ومن صدق الرجوع أن يترك الإنسان ما كان يصدر عنه من إساءة، ويستبدل به خيراً. فإذا استبدل الذاكرُ قولَ السوء بذكر الله، كان ذكره أولَ درجات السير: باباً يدخل منه إلى مقامات الذاكرين.

ثم يرتقي الذكر من اللسان إلى القلب. وهنا يسمّي الشيخ صاحبَه «سالِكاً»، لأنه لم يعد يذكر بلسانه وحده، بل صار الذكر حاضراً في قلبه، يرافقه في نظره وموقفه واختياره.
والقلب موضع التوجّه ومحلّ الإرادة؛ فإذا استقر فيه ذكر الله، أخذ يراجع به الإنسان أعماله ونواياه. فلا يسأل نفسه عمّا فعلته جوارحه فحسب، بل يتفقد ما قام في قلبه من قصدٍ وميلٍ وموقف. أكان عمله لله؟ أكان منصفاً في حكمه؟ أكان قلبه سليماً مما يفسد علاقته بربه وبالناس؟
من هنا يكون صاحب ذكر القلب سالكاً؛ أي إن الذكر صار له طريقاً يسير عليه، لا لفظاً يردده في وقتٍ ثم ينقطع أثره. وكلما رسخ الذكر في القلب، اتسعت مراقبته لتصرفات الإنسان، حتى يجد نفسه يراجع عمله قبل أن يقدم عليه، ويزن مواقفه بما يرضي الله.

وفي هذا المقام يأنس القلب بمعنى قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فالطمأنينة ليست أن يخلو القلب من كل ابتلاء، ولكن أن يجد في ذكر الله مرجعه وسكينته، وألا تملكه المخاوف والميول المتقلبة.

غير أن القلب قد يجتمع فيه الذكر مع منازعات أخرى. فقد يذكر الإنسان ربّه، لكنه ما يزال يجاهد تعلقاً بالمال أو الجاه أو الشهوة، أو يصارع خاطراً يجرّه بعيداً عن الطريق. والذكر حاضر فيه، لكن قلبه لم يصفُ بعدُ من كل ما يزاحمه. وهذا من شأن السالك: يمضي في طريق المجاهدة، يتقوّى بالذكر، ويعود إليه كلما غلبته نزعة أو شغلته غفلة.

أما قوله: «ومتى ذكرته بسرّك فأنت عارف»، فيشير إلى مقامٍ أدقّ. فالسرّ عند أهل السلوك باطن القلب وخفيّ حضوره؛ وليس المقصود به شيئاً منفصلاً عن القلب، بل أعمق ما فيه وأخفى. فإذا استقر الذكر في هذا الموضع، لم يعد صاحبه يكتفي بمراقبة أفعال جوارحه، بل صار يتفقد أدقّ ما يطرأ على قلبه من غفلة، وأخفى ما يختلط بنيّته من قصدٍ أو التفات.

في ذكر القلب قد يظل الإنسان في مجاهدةٍ بين محبة الله ومحبة ما يشغله عنه. أما إذا صفا السرّ بالذكر، صار توجهه إلى الله أغلب عليه وأرسخ؛ فلا تكون الدنيا هي غايته، ولا يستمدّ عمله معناه من الطمع فيها. وقد يكون مشتغلاً بتجارة أو وظيفة أو شأنٍ من شؤون الحياة، لكن عمله لا يقطع صلته بالله؛ إذ يباشر ما عليه من مسؤولية، ويطلب الحلال، ويؤدي الحقوق، من غير أن يستولي ذلك على قلبه أو يصرفه عن غايته.

وعندئذٍ لا يُقاس الذكر بكثرة ما يسمعه الناس من لسان صاحبه. فقد تراه يتحدث في أمر دنياه، أو ينشغل بعمله، لكنّ خفيّ قلبه متعلق بربه، حاضرٌ معه. وليس معنى ذلك أن كل من اشتغل بعمل دنيوي صار ذاكراً بسرّه، بل العبرة بصفاء التوجه، وبألا يستولي العمل أو المال أو الجاه على القلب حتى يحجبه عن الله.

وهكذا تتضح مراتب القول الشريف: ذكر اللسان بداية التوبة، وذكر القلب بداية السلوك، وذكر السرّ مقام المعرفة. ينتقل الذاكر من إصلاح قوله، إلى إصلاح قلبه، ثم إلى دوام التوجه في باطنه. وهي مراتب لا تُنال بالأماني، وإنما تحتاج إلى صدقٍ ومجاهدةٍ ومحاسبةٍ وتطهيرٍ متواصل.

والذكر، في أصله، أوسع من الألفاظ. فالألفاظ تعين القلب على التذكر، وتوقظه إذا غفل، وتفتح له باب الحضور. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾؛ فالذكر يبدد النسيان، ويردّ الإنسان إلى ما غاب عنه من صلته بربه. وذكر اللسان وسيلةٌ كريمة لهذا الحضور: يشغل الوقت بالطاعة، ويهيئ القلب لأن يصغي إلى المعنى، حتى يكون الذكر صلةً بالله، لا أصواتاً تمرّ على اللسان ثم تنقضي.

وقد يفتح الله على الإنسان في لحظةٍ ما لا يبلغه في زمنٍ طويل؛ لحظة صدقٍ وخشوعٍ تردّه إلى نفسه، وتوقظ في قلبه معنى الرجوع. وهذا لا يلغي المجاهدة، ولكنه يبيّن أن الله قد يمنح عبده من الفتح ما يغيّر به وجه حياته.
ويُروى في ذلك خبر الفضيل بن عياض، وكان في أول أمره يقطع الطريق. فبينما كان يتسلّق جداراً يريد دخول بيتٍ، سمع رجلاً يتلو قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. فوقعت الآية في قلبه، فقال: «بلى يا رب، قد آن». وكانت تلك الكلمة بداية رجوعه، ثم صار بعد ذلك من أهل العبادة والزهد.

تأملوا هذا السماع: لم يكن الفُضَيل يسمع ألفاظاً فحسب، بل سمع نداء الآية في داخله، فانكشف له من حاله ما أعاده إلى الله. فالآية التي تلاها الرجل بلسانه تحولت في قلب الفضيل إلى ذكرٍ أيقظه، وردّه عن طريقٍ كان يسير فيه.

نسأل الله أن يجعل ألسنتنا عامرةً بذكره، وقلوبنا مطمئنةً به، وأسرارنا متوجهةً إليه، وأن يرزقنا صدق التوبة وحسن السلوك ومعرفته حقّ المعرفة.

والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد.

كما تضمن المجلس المحمدي الختم والذكر الشريف ثم ختم بتلاوة قرآنية شريفة ثم الدعاء

Share with

Start typing and press Enter to search