دعوةٌ قرآنية في زمن بلوغ الصراع نهاياته
(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)
نتدبر هذه الآية الكريمة في زمنٍ بلغت فيه صراعاتُ الأرض ذروتها، وتشابكت القوى والمناهج والأيديولوجيات حتى غدت البشرية كلُّها في سباقٍ محموم، ولكن إلى ماذا؟
تسابق على الهيمنة لا على الهداية، على التملك لا على الإعمار، على الغلبة لا على الخير.
وهنا يتقدّم الخطاب القرآني بوضوحٍ مدهش (فاستبقوا الخيرات) فهو توجيهٌ لأهل الحق ليدخلو حلبة السباق، ولكن عليهم أن يحافظوا على الاتجاه الصحيح؛ أن تكون المنافسة في ميادين البناء لا الهدم، في مجالات الإصلاح لا الفساد، ووحدة الأمة لا فرقتها.
العالم نحو النهايات
لقد بلغ صراع القوى العالمية مرحلة النهايات؛ فلم يعد صراعاً بين حضاراتٍ متباينة فحسب، بل بين نماذج للعقل والروح والعدالة. فالقوى الكبرى استنزفت أدواتها، والمشاريع الفكرية القديمة تآكلت تحت ثقل تناقضاتها، حتى أصبح العالم وخاصة الشرق الأوسط بؤرة انكشافٍ لمكر السياسات وتبدل التحالفات. حيث فضحت غزة وفلسطين، شعارات الغرب، وشعارات المتأسلمين والأعراب معاً.
في هذه المنطقة الملتهبة، وفي قلبها العراق، تتقاطع كل خطوط التاريخ والموقع والمورد والرسالة، حتى صار المشهد أشبه بمرآةٍ تعكس نهاية صراعٍ طويل بين الداخل والخارج، بين من يملك إرادته ومن تاهت إرادته في دهاليز المصالح.
لقد استُدرجت شعوبنا في هذه العقود المظلمة إلى حروبٍ بالوكالة، وتداخلت الأجندات حتى صار القرار الوطني مرهوناً برضا الخارج، أو بتوازناتٍ لا تخدم سوى من يرسم الخرائط من بعيد، حتى صار فيها الخائن بطل الطائفة، والفاسد قائداً مغواراً، والمرتبط بالغرب حكيماً.
لحظة الحقيقة: انكشاف المشاريع
هذه النهايات ليست هزيمةً بالضرورة، بل هي بداية الوعي فحين تتساقط الأقنعة تُتاح الرؤية الصافية، ودائماً كانت سنة الله هي كمون خطته لأهل الحق في باطن خطط أهل الباطل، كيداً منه تعالى لهم، وإرادة منه في تمكين الحق وأهله (إنهم يَكيدون كيداً * وأكيد كيداً * فمهل الكافرين أمهلهم رويداً).
فاليوم نرى المشاريع الوافدة قد أظهرت قصورها، والأيديولوجيات المستوردة أثبتت أنها لا تنبت في تربة الأمة، ومن هنا تنفتح نافذة التأريخ لأهل الحقّ، ولا أقصد أهل الشعارات المتاجرين بها، بل أقصد حملة مشروع وحدة الأمة وتحقيق أسباب عزتها وتقدمها، وكل من يحمل مبادئ إسلام محمدي أصيل. وهم كثر من المخلصين هنا وهناك.
إن لحظة الانهيار العالمي للأفكار الزائفة هي ذاتها لحظةُ صعود الفكر الصادق الذي تختزنه الأمة في أعماق تأريخها، إذا وُجد من يحمل رايته بعلمٍ وإخلاصٍ وكفاءة.
وهذا هو سرّ النداء القرآني: (فاستبقوا الخيرات).
فالاستباق هنا ليس اندفاعاً عشوائياً، بل مشروع تفوقٍ فكري وعملي: تفوق في العلم، وفي الإبداع، وفي الإدارة، وفي نزاهة الموقف، وفي عمق الخطاب، وفي دقّة الإنجاز، وفي استقلالية المنهج وبعده عن إملاءات أعداء الأمة والوطن. والرهان على وعي أبناء الأمة وخاصة من شبابها الساعين لمرضاة الله تعالى، لا الساعين وراء بهرجة اهل السياسة من الفاسدين، ولا أهل المال المشبوه، ولا أهل العلم الفاتن لأهله. والمدمر للبلدان بنار الطائفية الحارقة، وصدق نبينا الكريم صلى الله عليه واله وسلم حين سماها (منتنة) و (جاهلية)، وهل تبني النتانة والجاهلية أمة كريمة أو وطناً عزيزاً؟!.
منطق السبق في فكر القرآن
القرآن لا يدعو إلى السكون ولا إلى ردود الأفعال المؤقتة، بل إلى الحركة الواعية التي تصنع الفارق.
فالخيرات هنا تعني كل ما ينهض بالإنسان والمجتمع: من بناء مدرسة أو مؤسسة علمية، و بناء قوة تحمي ذلك، إلى قلمٍ يكتب للحق، وفكرٍ مرب يضيء الطريق للسائرين إلى مرضاة الله.
هذه هي المسابقة والمنافسةُ الشريفةُ في ميادين الإصلاح، لا إلغاءُ الآخر، بل التقدم عليه بالتميز والإنجاز.
العراق.. ميدان الاختبار
في العراق، حيث تلاقت الحضارات كما تلاقت الأوجاع، يواجه أهل الحقّ اليوم امتحانهم التاريخي:
هل يختارون الصمت في زحمة الضجيج؟. والصمت مرحلة تربية للمبتدئين عند أهل الله وحالة استثنائية حين لا ينفع الكلام.
نعم هل يصمتون أم ينهضون بوعيٍ جديدٍ يُثبت أن الإيمان الحقّ يصنعُ أمةً لا تُستدرج بل تُبدع، ولا تكون تبعاً لغيرها بل تقود كما أرادها الله؟. ليثبتوا أنهم مشروع الأمة المنتظر. ولا يمكن أن يكون غيرهم من أصحاب مشاريع الفتن، أكثر إخلاصاً لدين أو وطن، ولا أعظم تضحية ولا بذل، بل لا يمكن لغيرهم أن يكونوا مشاريع وحدة أو بناء، لأنهم كانوا دعاة هدم وتقسيم وفرقة. فكيف لهم أن يحملوا نور العلم الباني والموحد للقلوب؟.
نعم لقد آن لأهل الحق أن يخرجوا من دوائر الدفاع إلى ميادين البناء، وأن يحوّلوا الإيمان إلى مشروعٍ عمليٍّ يُنتج علماً وموقفاً ونظاماً وعدلاً.
فالحقّ لا ينتصر بالشعارات، بل بجودة الفعل وصدق النية ووضوح الهدف.
من السبق إلى السيادة
وحين تتهاوى المشاريع الوافدة، الشرقية منها والغربية، وكذا مشاريع الداخل التي أنتجت الفتنة بين العراقيين، وحين ينكشف عجز الأقوياء عن تحقيق العدالة، تكون الأرض مهيأةً لظهور من يسبق بالخيرات، لا طمعاً في السلطة، بل طلباً لوجه الله وإعماراً للأرض.
وعندها، كما يقول الله تعالى (إلى الله مرجعكم جميعاً)، أي إلى حكمه وعدله وفصله في ما اختلف الناس فيه من طريق الحقّ.
إذاً: فليستبق أهل الإيمان والعلم والوعي مع الأغيار في ميادين التفوق، وليتقنوا عملهم، ويُظهروا ما عندهم من حجةٍ وكفاءة، ومن مشروع محمدي إنساني لا طائفي ولا فتنوي، بل منهج يثبت للعالم أنه يحمل الوحدة لا الطائفية، الرحمة لا العنف، الحوار لا التكفير.
فالفوز لا يُهدى، بل يُنتزع بالجدارة، ومن يسبق اليوم بخيرٍ نافعٍ للناس، سيكون هو الأجدر أن يسود غداً عن حقٍّ واستحقاق، تحت ظلّ سباق رباني إلى الخير وتحت أمر الله بقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) وقوله عز من قائل (وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ).
كتبه
السيد عبد القادر الحسني الآلوسي
المحمدية_البيضاء
معاً_إلى_رسول_الله
الإسلام_المحمدي
السلم_المحمدي
كهفنا_محمدنا
الراية_المحمدية
الرباط_المحمدي
كونوا_محمديين_تفلحوا
المحمدية_تجمعنا
كن_محمدياً


