أقام مجلس علماء الرباط المحمدي مجلساً محمدياً ضمن مجالسه العلمية والإيمانية المتواصلة، ألقى فيه سماحة السيد عبد القادر الآلوسي محاضرة تناولت مفهوم (خصوصية الأزمنة) في القرآن الكريم والسنة النبوية، وعلاقة شرف الزمان وعظمته بالأحداث الإلهية الكبرى التي تقع فيه، متخذةً من أيام المولد النبوي الشريف مدخلاً لبحث الأساس الشرعي والمعرفي للاهتمام بزمن مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
واستهل السيد الآلوسي محاضرته بإثارة سؤال يتكرر حول تخصيص شهر المولد ويومه بمزيد من الاحتفاء والاهتمام، مبيناً أن النظر القرآني إلى الزمن لا يجعله مجرد وحدات محايدة لقياس تعاقب الأحداث، بل يكشف عن أزمنة اكتسبت خصوصيتها وبركتها بما اختاره الله تعالى أن يقع فيها من أفعال وأحداث عظيمة.
وأوضح أن القرآن الكريم نفسه أسس لهذا المعنى حين وصف ليلة إنزال القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وجعل ليلة القدر ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾؛ فالحدث الذي وقع في الزمن لم يبق منفصلاً عنه، وإنما أضفى عليه قدراً وفضلاً وبركةً امتدت دلالتها في حياة الأمة وعبادتها.
وفي السياق نفسه، تناولت المحاضرة ارتباط بعض الأيام بولادة الأنبياء، مستشهدةً بما ذكره القرآن عن يحيى وعيسى عليهما السلام من اقتران السلام بيوم الولادة، وبما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سئل عن صيام الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه». ورأى المحاضر أن هذا الربط النبوي بين العبادة ويوم الميلاد يمثل دليلاً مهماً على أن تذكّر الحدث العظيم يمكن أن يتجدد بتجدد زمنه.
وانتقلت المحاضرة إلى نماذج أخرى تؤكد هذا المنهج؛ فالجمعة نالت خصوصيتها، فيما نالت، بما وقع فيها من خلق آدم عليه السلام وما ارتبط بها من أحداث كبرى، ويوم عرفة ارتبط بما يتنزل فيه من المغفرة والعتق والرحمة، والعشر من ذي الحجة تميزت بما اجتمع فيها من العبادة والطاعة وشعائر الحج. ومن هنا قررت المحاضرة أن الشريعة نفسها تعلّم الإنسان أن يتعامل مع الزمن بوصفه حاملاً للذاكرة الدينية ومجالاً متجدداً للعبادة والتذكر.
وجعل السيد الآلوسي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ مفتاحاً لفهم هذه الرؤية؛ فتعاقب الزمن يعيد إلى الإنسان مواقيت التذكر والشكر، وبذلك لا تكون الدورة اليومية والشهرية والسنوية مجرد تكرار حسابي، وإنما عودةً لمناسبات تستدعي استحضار النعم والأحداث الكبرى وما يترتب عليها من عبادة وشكر.
وبيّنت المحاضرة أن السنة النبوية عززت معنى (تحري الأزمنة)؛ فتحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، والتعرض لنفحات الله في أيام الدهر، والاهتمام بالأيام الفاضلة، كلها تؤسس لوعي ديني لا يفصل الحدث عن زمانه، بل يجعل عودة الزمن مناسبةً لاستعادة معنى الحدث وتجديد أثره في النفس والمجتمع.
ومن هذا التأصيل انتقلت المحاضرة إلى المولد النبوي الشريف، مقررةً أن مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثل واحدةً من أعظم النعم الإلهية على الأمة؛ ومن ثم فإن تحري زمن مولده في شهر ربيع الأول، واستقباله بالتذكر والفرح والشكر، ينسجم مع هذا المنهج القرآني والنبوي في استحضار النعم عند تجدد أزمانها. وحتى مع الاختلاف التاريخي في تعيين اليوم المحدد للمولد، فإن أصل وقوعه في ربيع الأول، وعظمة الحدث نفسه، ومشروعية شكر الله تعالى على بعثة نبيه ورحمته به، تبقى معاني جامعة لا تتوقف على ذلك الاختلاف.
كما طرحت المحاضرة مفهوماً مركزياً هو (الاختيار الإلهي)، مستندةً إلى قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، موضحةً أن الإيمان لا يقتصر على التسليم لله بالخلق، بل يمتد إلى التسليم بحكمته في الاختيار؛ فهو سبحانه يختار من خلقه من يشاء، ويختار من الأزمنة والأمكنة ما يشاء، وتكتسب الأشياء منزلتها بما خصها الله تعالى به من فضل.
وخلصت المحاضرة إلى أن قضية المولد النبوي يمكن النظر إليها ضمن رؤية أوسع من مجرد الجدل حول مناسبة تاريخية؛ فهي متصلة بفلسفة قرآنية للزمن تقوم على (الاختيار، والتذكّر، والشكر). فإذا كان القرآن قد علّم الأمة أن تتذكر أيام الله، وأن تعظم الأزمنة التي شهدت نزول الوحي ومواسم الرحمة والطاعة، فإن استحضار يوم أشرق فيه الوجود بمولد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم هو استحضار لنعمة الرسالة نفسها، وتجديد للشكر لله تعالى عليها.
وبذلك عادت المحاضرة في ختامها إلى الآية التي لخصت فكرتها المركزية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾؛ لتقرر أن الزمن في الوعي الإيماني ليس مجرد وعاء تمر فيه الحياة، بل ذاكرة للنعم، وموعد متجدد لاستحضارها، وميدان للتذكر والشكر.


