الشيخ الدكتور محمد النوري من بغداد: لا حياد بين الحق والباطل، وفلسطين ستبقى عنوان الإيمان والموقف
أكد فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري، عضو مجلس الأوقاف الأعلى في ديوان الوقف السني، أن الصراع بين الحق والباطل سنة إلهية ماضية منذ فجر الخليقة، وأن المؤمن لا يملك خيار الحياد حين تتقابل جبهة الحق مع جبهة الباطل، بل إن واجبه الشرعي والإيماني أن ينحاز إلى الحق، مهما بلغت قوة أهل الباطل وسطوتهم.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلته في جامع القدس بشارع فلسطين وسط العاصمة بغداد، بحضور وفود وزائرين قدموا من عدد من المحافظات العراقية والدول الإسلامية.
واستهل الشيخ النوري خطبته بالترحيب بالوفود والزائرين، سائلًا الله تعالى أن يجعل قدومهم قدوم خير وبركة، وأن يمنّ على الأمة الإسلامية بالنصر والعزة، ويرزق المسلمين الصلاة في المسجد الأقصى محررًا، مؤكدًا أن بغداد كانت وستبقى مدينة تحتضن أبناء الأمة بالمحبة والإخاء.
وأوضح فضيلته أن القرآن الكريم رسم للمؤمنين المنهج القويم في مواجهة الباطل، مستشهدًا بقصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون وسحرته يوم الزينة، حين ظهر الحق الإلهي وانهار الباطل أمامه، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: 69].
ثم قال سبحانه:
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: 70].
وبيّن أن السحرة، على الرغم من قربهم من فرعون، لم يترددوا في إعلان إيمانهم حين تبيّن لهم الحق، ليقدموا نموذجًا خالدًا في تقديم العقيدة على المصالح والمناصب.
وشدد الشيخ النوري على أن المؤمن لا ينبغي أن يجعل قوة الدول أو نفوذها معيارًا للحكم على المواقف، وإنما عليه أن يتبع الحق حيث كان، مبينًا أن الانحياز إلى الظالمين لمجرد امتلاكهم القوة يخالف منهج القرآن الكريم، وأن التاريخ يشهد بزوال الطغاة وبقاء رسالات الأنبياء ومواقف أهل الحق.
وتناول فضيلته موقف مؤمن آل فرعون، الذي جهر بكلمة الحق في وجه الطغيان، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: 28].
وأكد أن كلمة الحق قد تكون من أعظم صور الجهاد، وأن المسلم مسؤول عن نصرة الحق في كل موقع، بالكلمة والموقف والبيان، ولا يجوز له أن يتخذ الصمت أو ضعف التأثير ذريعة للابتعاد عن مسؤوليته.
كما استحضر موقف موسى عليه السلام عند البحر، حين أحاطت الأخطار ببني إسرائيل، فقال تعالى:
﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
ثم قال سبحانه:
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63].
وأوضح أن اليقين بالله والثقة بوعده هما طريق النجاة، مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت المحن.
واستعرض الدكتور النوري قصة أصحاب الكهف بوصفها نموذجًا للشباب المؤمن الذي قدّم العقيدة على الدنيا، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13].
وبيّن أن هؤلاء الفتية تركوا النعيم حفاظًا على دينهم، وأن القلب إذا امتلأ بمعرفة الله لا تهزمه جيوش الأرض ولا يغريه سلطان الدنيا.
كما أكد أن الابتلاء سنة إلهية لا يُستثنى منها أحد، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3].
ودعا المسلمين إلى الثبات والصبر، وعدم الاضطراب أو التراجع أمام المحن.
وفي حديثه عن التضحية والثبات، أشار فضيلته إلى قصة أصحاب الأخدود، مستشهدًا بما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب الرومي رضي الله عنه، في قصة الغلام، أنه قال لأمه:
«يا أُمَّهِ، اصْبِرِي، فإنَّكِ علَى الحَقِّ».
وأوضح أن هذا الموقف يجسد أسمى مراتب اليقين، حين يصبح الثبات على الحق طريقًا إلى رضوان الله، مهما اشتدت المحن والآلام.
كما ذكّر بما لقيه المؤمنون الأوائل من التعذيب، وما أظهروه من صبر وثبات، مستشهدًا بما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
«كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه».
وأكد أن طريق الدعوة والإيمان كان، ولا يزال، طريق تضحية وصبر وثبات.
ودعا الشيخ النوري المسلمين إلى التمسك بدينهم، والاعتصام بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، والمحافظة على وحدة الأمة، ونبذ أسباب الفرقة والخلاف، مؤكدًا أن العلماء والدعاة يتحملون مسؤولية بيان الحق، وأن السكوت عنه لا يجوز عند اشتداد الفتن والتباس المواقف.
وفي الخطبة الثانية، شدد فضيلته على أن معيار النصر ليس كثرة العدد والعدة، وإنما تأييد الله لعباده المؤمنين، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
وبيّن أن الأنبياء والرسل قدموا التضحيات في سبيل نصرة الحق، وكذلك الإمام الحسين عليه السلام، الذي بقي رمزًا خالدًا للثبات على المبادئ، مؤكدًا أن التاريخ أنصف أصحاب الرسالات والمواقف الصادقة، بينما اندثر الظالمون وبقي ذكر أهل الحق.
وأشاد فضيلته بالمكانة الروحية والتاريخية للعراق، مبينًا أنه يحتضن مراقد عدد من كبار الصحابة والأئمة والعلماء والأولياء، منهم سلمان المحمدي، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهم، والإمام موسى الكاظم، والإمام أبو حنيفة النعمان، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والجنيد البغدادي، ومعروف الكرخي، وغيرهم.
وأكد أن بغداد كانت، عبر تاريخها، حاضنة للتنوع الإسلامي، ومنارة للعلم والفكر والثقافة.
واختتم الشيخ الدكتور محمد النوري خطبته بالدعاء إلى الله تعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وينصر الشعب الفلسطيني، ويكتب تحرير القدس، ويرفع الظلم عن الأمة، ويحفظ العراق وسائر بلاد المسلمين، ويجمع كلمة أبناء الأمة على الحق.















