أقام مجلس علماء الرباط المحمدي في رحاب مسجد الالوسي مجلساً محمدياً ألقى فيه سماحة السيد الآلوسي محاضرة بعنوان: «حجاب النَّظر وغيبة البصيرة: القصور البشري في إدراك المقام المحمدي»، تناول فيها البعد القرآني والعرفاني والفكري في بيان أسباب عجز الإنسان عن إدراك حقيقة المقام المحمدي، مبتدئاً بقوله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ).
واستهل السيد الآلوسي محاضرته بالحمد والثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، مبيناً أن هذه الآية الكريمة تمثل مرآة قرآنية تكشف أزمة الوعي الإنساني في أعمق تجلياتها، موضحاً أن ظاهرها يتعلق بمشركي مكة، كما ذكر ذلك عن الحسن البصري قال (وتراهم ينظرون إليك بأعينهم وهم لا يبصرون بقلوبهم …يعني المشركين) إلا أن هذا المعنى أوسع من خصوص سبب نزولها، إذ إنها ترسم قانوناً عاماً يفرق بين مستويين من الإدراك الإنساني، هما: النظر الذي يقتصر على إدراك الصورة المادية والظاهر الحسي، والبصيرة التي تنفذ إلى الحقيقة النورانية والمعنى الكامن وراء الحجاب المادي. وأكد أن كثيراً من الناس رأوا بشرية الرسول ﷺ ولم يدركوا نوره وحقيقته
وفي المحور الأول، الذي حمل عنوان «الأسرار العرفانية في الآية: حجاب المظهر وكثافة الطين»، أوضح السيد الآلوسي أن الآية تجسد قانون الخفاء في شدة الظهور، فكلما اشتد ظهور الحقيقة عجزت الأبصار الضعيفة عن إدراكها.
وأضاف أن أول مظاهر هذا الحجاب يتمثل في حجاب المماثلة البشرية، إذ إن كثيراً من الناس قاسوا الحقيقة المحمدية بمقياس الطبيعة البشرية، فنظروا إلى الجسد والنسب والمعيشة، وغفلوا عن التميز الروحي للمقام المحمدي، وكذا حجاب القرب المادي يقول البوصيري رحمه الله
كالشمس تظهر للعينين من بعد
صغيرة وتكل الطرف من أمم
مؤكداً أن غاية ما يدركه العقل البشري بشريته وأن النبي ﷺ خير خلق الله جميعاً.
فمبلغ العلم فيه أنه بشر
وأنه خير خلق الله كلهم
كما بيّن أن المقام المحمدي يمثل البرزخية الكبرى بين الحق والخلق، فمن اقتصر نظره على الجانب البشري رأى الخلق، أما من أبصر ببصيرته أدرك تجليات الحق في أخلاق النبي ﷺ ورحمته وعصمته ونوره، مبيناً أن أكثر الناس وقفوا عند حدود البشرية ولم يعبروا إلى حقيقة هذا المقام.
وانتقل السيد الآلوسي إلى المحور الثاني من المحاضرة، والذي خصصه لبيان كيف قصر بعض الأمة أيضاً في إدراك المقام المحمدي، مبيناً أن الأمة، رغم محبتها العظيمة لرسول الله ﷺ، وقع بعضها في صور متعددة من النظر المجرد الذي لم يرتق إلى مستوى البصيرة.
وأوضح في الجانب الأول من هذا المحور أن من أبرز صور القصور الفكري اختزال النبي ﷺ في وظيفة التبليغ فقط، حتى كأن دوره انتهى بانتهاء أداء الرسالة أو بوفاته الشريفة، مع أن القرآن الكريم يؤكد استمرار حضوره المعنوي والروحي في الأمة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، مبيناً أن الوجود المحمدي في الأمة وجود متجدد لا ينحصر في إطار التاريخ.
وأضاف أن القصور الثاني يتمثل في القصور الروحي، حيث انشغل كثير من المسلمين بالمظاهر التعبدية والسنن الشكلية، مع أهميتها، دون النفاذ إلى روح الشريعة وأخلاق النبي ﷺ ورحمته، فأصبح الاهتمام منصباً على الصور الظاهرة، وغابت معاني الرحمة، وحفظ الدماء، وأخوة المسلمين، وبناء الإنسان، والشهود القلبي لجمال الشخصية المحمدية، وأكثر الناس اليوم يمشون في حجب الأوهام بينما الحقيقة النورانية ظاهرة لمن أبصر.
كما أوضح أن القصور الثالث هو القصور الحضاري، إذ إن الأمة في عصور ضعفها جمدت النموذج المحمدي داخل إطار الهوية الخاصة، ولم تقدمه باعتباره رسالة رحمة عالمية قادرة على معالجة أزمات الإنسانية كافة، مع أن الله تعالى وصف رسوله بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، مبيناً أن الأمة نظرت إلى المحمدية بخصوصيتها، ولم تبصر عالميتها الحضارية.
وفي ختام المحاضرة، أكد السيد الآلوسي أن علاج هذه الأزمة يبدأ بالتحرر من أسر العادة، وعدم التعامل معالسيرة النبوية بوصفها أحداثاً تاريخية مجردة، بل باعتبارها مشروعاً دائماً لإحياء القلوب وبناء الإنسان.
وأضاف أن الانتقال من النظر إلى الإبصار يقتضي إعادة قراءة السيرة بلغة القلوب، بحيث يُنظر إلى كل فعل نبوي على أنه تجلٍّ لأسماء الله الحسنى وصفاته، كما يتطلب تجاوز النظرة المادية للتاريخ والإيمان باستمرار الصلة الروحية والفيض المحمدي، وأن الصلاة على النبي ﷺ ليست مجرد ألفاظ تتردد على اللسان، وإنما هي صلة روحية واتصال بالنبع النوراني الأول.
واختتم السيد الآلوسي محاضرته بالدعوة إلى الخروج من دائرة الذم العام الواردة في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إلى دائرة الشهود والبصيرة، حتى تنال الأمة حظها من معرفة المقام المحمدي، وتعيد لهذا المقام العظيم بعض حقه الذي حجبه الانشغال بالماديات وحجب الطين.
واختتم المجلس بالذكر والانشاد والدعاء.


