من جامع القدس في بغداد.. الشيخ الدكتور محمد النوري: إصلاح العراق يبدأ ببناء الإنسان الأمين الكفوء.. والأوطان لا تنهض بالفاسدين ولا بغير أهل الاختصاص

أكد فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري، عضو مجلس الأوقاف الأعلى في ديوان الوقف السني، نائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، خلال خطبة الجمعة التي ألقاها في جامع القدس بمنطقة شارع فلسطين وسط العاصمة بغداد، أن بناء الإنسان يمثل الأساس الحقيقي لبناء الأوطان، مبيناً أن أي مشروع للإصلاح أو النهضة لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم ينطلق من صناعة الإنسان الصالح علماً وأخلاقاً وسلوكاً، لأن الإنسان هو محور البناء وركيزته الأولى.

واستهل الشيخ النوري خطبته بتصحيح مقولة شائعة تتعلق بأولوية بناء الإنسان، موضحاً أن بناء الإنسان ليس مشروعاً منفصلاً عن بناء الوطن، بل هو المقدمة الصحيحة لبناء الأوطان، مؤكداً أن الدولة لا تقوم على المؤسسات والمباني وحدها، وإنما تقوم على الإنسان الذي يديرها ويقودها ويحمل مسؤولياتها، فإذا كان الإنسان صالحاً أنتج صلاحاً وإصلاحاً، وإذا كان فاسداً أنتج فساداً في جميع مفاصل الدولة والمجتمع.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، مبيناً أن أول مشروع إلهي على الأرض كان مشروع بناء الإنسان وتأهيله ليكون خليفة يعمر الأرض وفق منهج الله، وهو ما يؤكد أن العلم والمعرفة والتربية تشكل الأساس الأول لأي نهضة حضارية.

وأوضح أن الله سبحانه وتعالى أولى الإنسان عناية عظيمة في جميع الرسالات السماوية، وجعل الأمانة من أعظم التكاليف التي حملها الإنسان، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، مؤكداً أن نجاح المجتمعات مرتبط بحسن أداء هذه الأمانة في مختلف مواقع المسؤولية.

ووجه الشيخ النوري رسالة مباشرة إلى أصحاب القرار، مؤكداً أن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق على أسس خاطئة، وأن من يبحث عن الإصلاح دون الأخذ بأسبابه يشبه من يريد تشييد بناية شاهقة دون أساس متين، مشيراً إلى أن العراق، رغم مرور أكثر من عشرين عاماً وإنفاق مليارات الدولارات، ما زال يعاني من أزمات كبيرة بسبب سوء الاختيار وتقديم غير الأكفاء إلى مواقع المسؤولية.

وحمل المجتمع جانباً من المسؤولية، موضحاً أن الانتخابات أوصلت في كثير من الأحيان أشخاصاً غير مؤهلين لإدارة الدولة، وأن التصفيق لغير الأكفاء ساهم في تعميق الأزمات الإدارية والاقتصادية والمالية، مؤكداً أن الحضارة لا تبنى إلا بالكفاءة والأمانة معاً.

واستشهد بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، موضحاً أن القوة وحدها لا تكفي إذا غابت الأمانة، كما أن الأمانة وحدها لا تكفي إذا افتقد الإنسان الكفاءة والقدرة، فالمسؤول الناجح هو الذي يجمع بين القوة والأمانة.

وأبدى الشيخ النوري ألمه لما وصفه بضياع الأمانة في كثير من مؤسسات الدولة، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في صحيح البخاري: «إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظرِ الساعةَ»، فلما سئل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظرِ الساعةَ»، مؤكداً أن هذا الحديث يرسم قاعدة خالدة في إدارة الدول والمجتمعات.

وضرب أمثلة متعددة على خطورة إسناد المسؤوليات إلى غير المؤهلين، مبيناً أن مدير المدرسة غير الكفوء يخرج جيلاً ضعيفاً، والمهندس غير المختص ينتج مشاريع متهالكة، والاقتصادي غير المؤهل يقود المؤسسات إلى الفشل، مؤكداً أن كل مهنة ينبغي أن تسند إلى أهلها، وأن الإصلاح يبدأ بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

ودعا الساسة وأصحاب القرار في العراق إلى اعتماد معيار الكفاءة والخبرة والأمانة في جميع مفاصل الدولة، وعدم المجاملة أو المحاصصة في اختيار القيادات، لأن ذلك يمثل المدخل الحقيقي لإصلاح مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المواطنين.

وفي ملف مكافحة الفساد، أكد الشيخ النوري دعمه الكامل لكل الجهود الصادقة في محاربة الفساد المالي والإداري، داعياً إلى التعامل معه بحزم وعدالة، وقال إن الشعب العراقي ينتظر خطوات عملية تعيد الحقوق وتحفظ المال العام، مطالباً بتحقيق الأمن الغذائي والفكري والسياسي والاجتماعي، باعتبارها ركائز أساسية لاستقرار الدولة.

واستعرض السيرة العطرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن رسول الله عرف قبل البعثة بلقب الصادق الأمين، وأن الأمانة كانت عنوان حياته في القول والعمل والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والتجارية، مؤكداً أن الأمة إذا أرادت الإصلاح الحقيقي فعليها أن تجعل أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم منهجاً لإدارة الدولة والمجتمع.

وأوضح أن جميع الأنبياء والرسل امتازوا بحمل الأمانة في أداء الرسالة وتبليغها وإقامة العدل بين الناس وتزكية النفوس، مبيناً أن اختيار الأمناء والعلماء وأصحاب الرؤية والخبرة لقيادة المؤسسات هو الطريق الصحيح لبناء وطن قوي ومستقر.

وفي جانب آخر من الخطبة، أعرب الشيخ النوري عن اعتزازه بالإرث الحضاري والعلمي للعراق، مشيراً إلى أن علماء بغداد كانوا منارات للعلم في العالم، وأن كثيراً من المكتبات والجامعات العالمية ما تزال توثق إنجازاتهم العلمية والفكرية.

وروى جانباً من مشاركاته في مؤتمرات دولية ممثلاً للعراق، مبيناً أنه التقى بمفتي مدينة سانت بطرسبورغ الروسية، الذي أكد له أن أكثر من ثمانين عالماً من علماء بغداد كان لهم دور كبير في إدخال العلوم الإسلامية والطب والهندسة والرياضيات إلى روسيا قبل أكثر من ألف ومئتي عام، الأمر الذي يعكس المكانة الحضارية الكبيرة التي تبوأها العراق عبر التاريخ.

وشدد على ضرورة الحفاظ على سمعة العراق وصورته الحضارية، داعياً إلى محاربة الفساد والمفسدين والمجرمين، والعمل على صناعة مستقبل يليق بتاريخ العراق ومكانته العلمية والثقافية، مؤكداً أن بغداد كانت وستبقى مدينة العلم والعلماء والأدباء والشعراء.

كما دعا إلى ترسيخ الوحدة الوطنية ونبذ جميع أشكال الفرقة، مؤكداً أن العراق وطن لجميع أبنائه، ولا ينبغي أن يكون الانتماء المذهبي أو القومي سبباً للتمييز، بل يجب احترام جميع المذاهب والأديان ومكونات الشعب العراقي، والعمل على ترسيخ قيم التعايش والتسامح والاحترام المتبادل.

واختتم الشيخ الدكتور محمد النوري خطبته بالدعاء إلى الله تعالى أن يصلح ولاة الأمور، وأن يهيئ للعراق قيادات صالحة أمينة، وأن يرزق البلاد الأمن والاستقرار، وأن يعز الإسلام والمسلمين، ويحفظ العراق وأهله من الفتن والفساد، كما دعا بالنصر والثبات لأهل القدس وغزة، وأن يمن الله بالأمن والسلام على الأمة الإسلامية جمعاء.

25 محرم 1448 هـ
الموافق 10 تموز 2026
مجلس علماء الرباط المحمدي

Share with

Start typing and press Enter to search