ثورة الإصلاح وبناء القيم: منبر جامع القدس يستحضر شذرات من سيرة الإمام الحسين عليه السلام وسيدة الصبر زينب
شهد جامع القدس خطبة جمعة مروية بالقيم والدلالات العميقة، ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري، عضو مجلس الأوقاف الأعلى في ديوان الوقف السني، نائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي حيث استعرض فيها شذرات من نور السيرة النبوية العطرة ومآثر آل البيت الأطهار، مركّزاً على البدايات المنورة للإمام الحسين عليه السلام ومقامه الرفيع الذي توجّه النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه وسيد شباب أهل الجنة، مشيراً إلى مباهلة نصارى نجران التي كان فيها الحسين في طليعة الوجوه الهاشمية النيرة التي تظللها السماء وتحفها الملائكة.
وأوضح فضيلته أن الإمام الحسين ترعرع في مدرسة النبوة وفي كنف الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء، مستقياً شجاعته وحلمه وكرمه ومبادئه العظمى من جده المصطفى؛ حيث تشرّب بالقرآن والسنة وعاش عقوداً من عمره يعلّم مكارم الأخلاق بالمسجد النبوي. واستذكر الخطيب الحديث الشريف الذي يرويه البخاري والترمذي: “حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً”، مؤكداً أن الحسين هو علم الهدى وصاحب الصلاح والشهامة الذي أذن المصطفى في أذنيه صغيراً، فصارخاً بالإصلاح والهداية في أمة جده كبيراً.
وتناول الدكتور النوري المنعطف التاريخي المفصلي عندما بويع ليزيد، وظهور بوادر الابتعاد عن منهج الله والقرآن وسيرة الأنبياء في الأمصار، مستحضراً الحوار البليغ الذي دار بين الإمام الحسين ورسول يزيد للمبايعة؛ إذ أبى الإمام الدنيّة رافضاً المساومة، ومؤكداً على قدسية الكلمة وعظيم مسؤوليتها حين قال: “وما شرف المرء إلا سوى الكلمة، الكلمة نور وحصن للحرية ومسؤولية”، وسار الإمام بعد ذلك متوجهاً من المدينة إلى مكة، ومنها نحو العراق استجابة للرسائل والصحائف، حريصاً على حقن الدماء حتى لا تُسفك قطرة واحدة أمام البيت العتيق.
واشار فضيلته في خطبته الى موطن العبرة عند وصول الإمام أشراف العراق ولقائه بالشاعر الفرزدق، الذي وصف الحال بعبارته الشهيرة: “قلوب الناس معك ولكن سيوفهم عليك”، موضحاً أن الطغاة اشتروا الأنفس بالمال لتزوير الحقائق. وربط فضيلته هذا المشهد بالواقع المعاصر، موجهاً انتقاداً لاذعاً ودعاءً باللعنة على طغاة وسراق المال العام وخزائن الدولة في أرض العراق اليوم، مؤكداً أن الأمل باقٍ بالشرفاء والعقلاء والمصلحين للاقتداء بمشروع الحسين لإصلاح المدارس، الجامعات، المؤسسات، والوزارات في الأمة جمعاء.
وصوّر فضيلته المشهد المؤثر لمعركة كربلاء، مجسداً صبر الإمام الحسين الملحمي وثباته على الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يودع أبناءه وإخوته وعمومته واحداً تلو الآخر دون أن يثنيه عظم البلاء عن أمانة القرآن، صادحاً بشعاره الخالد: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”، وتلا فضيلته أبيات الإمام الشافعي المؤثرة في رثاء الامام الحسين:
أبيات الإمام الشافعي المؤثرة في رثاء الحسين عليه السلام:
تأوه قلبي فالفؤاد كئيب .. وأورق نومي فالسهاد عجيب
فمن مبلغ الحسين تني رسالة وان كرهتها انفس وقلوب
ذبيح بلا ذنب كأن قميصه صبيغ بماء الارجوان خضيب
تزلزلت الدنيا لآل محمد وكانت لهم صمّ الجيال تذوب
وغارت نجوم والشورت كواكب وهتك استار وشق جيوب
يُصلى على المبعوث من آل هاشم ويغزى بنوه إن ذا لعجيب
ان كان ذنبي حب آل محمدٍ فذلك ذنبٌ لستُ عنه أتوب
هم شفعائي يوم حشري وموقفي اذا ما بدت للناظرين خطوب.
موضحاً تميز شهادة الحسين عليه السلام بأنها مدرسة عملية في التضحية والفداء بالنفس والنفيس لأجل العقيدة.
وفي لفتة إنصاف تاريخية، وازن فضيلة الشيخ بين جهاد الرجال وبطولة النساء، مستحضراً الموقف الشامخ للسيدة زينب عليها السلام، داعياً المسلمات لقراءة مسيرتها كنموذج للصبر والاحتساب بعد أن ودعت أحبتها وشاهدت حرق الخيام وسِيقَت في الصحراء، فكانت كلما ارتفع شهيد إلى السماوات العلى تقول: “اللهم تقبل منا هذا القربان”، مؤكدا أن ذكرى آل البيت هي وفاء ومودة فرضها الله تعالى في كتابه الكريم بقوله: “قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى”، ميتشهدا بآيات الامام الشافعي :
حُبُّ آلِ النَّبِيِّ خَالَطَ قَلْبِي … كَاخْتِلَاطِ الضِّيَاءِ فِي ماء العُيُونِ
أَنَا والله مغرم فِي هَوَاهُمُ عَلِّلُونِي فِي حبهم عَلِّلُونِي
وقال أيضا
يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ حُبُّكُمُ … فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ فِي القُرْآنِ أَنْزَلَهُ
كَفَاكُمْ مِنْ عَظِيمِ الفَخْرِ أَنَّكُمُ … مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ.
واختتم الدكتور محمد النوري خطبته باستحضار موقف الإمام أحمد بن حنبل وتأثره الشديد عند ذكر الحسين، واستشهاده بالآية الكريمة: “فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم”، تنديداً بمن سعى لتقطيع رحم رسول الله، ووجه فضيلته رسالة أخيرة للأمة بأن الإصلاح في الأنفس، البيوت، المساجد، والمجتمعات هو سبيل النجاة الوحيد وقوام الحق، ليلهج بعد ذلك بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن يحشر الحاضرين مع الشهداء والنبيين والصالحين، وأن يشافي المرضى ويعافي المبتلين، ويديم الإيمان واليقين في قلوب الأمة الإسلامية.
مجلس علماء الرباط المحمدي
11 محرم 1448 هـ
26 حزيران 2026 م











