نور الهجرة وبناء الأمة: من أمانة الآل والصحب إلى مسؤولية الإعمار ووحدة الصف العراقي

شهد جامع القدس في شارع فلسطين وسط العاصمة بغداد، إلقاء خطبة الجمعة المباركة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري، عضو مجلس الأوقاف الأعلى في ديوان الوقف السني، نائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، اليوم الجمعة لـ ١٩ حزيران ٢٠٢٦ ميلادي، الموافق ٤ محرّم ١٤٤٨ هجري، مستهلاً فضيلته الخطبة بالإشارة إلى شهر محرم الحرام، واصفاً إياه بشهر الأمل واللوعة والفرحة والأحزان، معلناً تخصيص هذه الخطبة لاستعراض مشاهد النور والوحدة في الهجرة النبوية المباركة، ابتداءً بسيدنا محمد ﷺ، مروراً بآله الأطهار وصحابته الأخيار، ومؤجلاً الحديث عن أحزان سبط الرسول الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الجمعة القادمة.

وأكد الدكتور النوري في مستهل قراءته لحدث الهجرة النبوية، أنها لم تكن مجرد واقعة تاريخية تُروى في كتب السير، بل كانت مرحلة إلهية عظيمة تحول فيها المسلمون من الخوف إلى الأمان، ومن صفة الأفراد إلى كيان الأمة، مستنداً إلى التخطيط المحكم والتوكل اليقيني؛ حيث كانت هجرة إلى المدينة التي احتضنت الرسالة والقرآن والنبوة، بعد أن ضاقت الطرقات في مكة المكرمة والطائف، وجاء الإذن الإلهي بالتحرك لتبدأ معالم التغيير الإنساني الكبرى.

وفي المشهد الأول من مشاهد النور، سلط فضيلته الضوء على خُلق “الأمانة” الذي تجسد في شخص الرسول الأعظم ﷺ، والذي علم البشرية أن الأمانة لا تسقط بأي حال من الأحوال، حيث انبرى قبيل خروجه مستحضراً عِظم المسؤولية التي أشار إليها الحق سبحانه في كتابه الكريم: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [سورة الأحزاب: 72]. فرغم العذابات والمؤامرات، كان يشغله رد أمانات أهل مكة الذين هجروه وكالوا له التهم، ليقوم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام وكرم الله وجهه) بدور الفدائي الأول، ويتقدم للنوم في فراش النبي مضحياً بنفسه، وهو الموقف الذي خلده القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهَ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [سورة البقرة: 207].

ودعا فضيلته الساسة والمسؤولين في العراق اليوم، والذين يفكرون في نهب المال العام لتسديد فواتيرهم السياسية والانتخابية، إلى استلهام درس الأمانة من الإمام علي ورجال الإسلام الأوائل الذين هُددوا بالقتل فما تنازلوا عن مبادئهم. كما استعرض المشهد التكاملي والوحدوي للهجرة؛ حيث صحب الصديق أبو بكر الصديق رسول الله ﷺ إلى الغار، وقام عبد الله بن أبي بكر بمحو آثار الأقدام، وعامر بن فهيرة برعي الأغنام، وأسماء بنت أبي بكر بتأمين الطعام، مجسدين تلاحماً بين آل البيت والأصحاب يجب على الأمة اليوم قراءته لجمع الكلمة ونبذ الفرقة.
​
كما توقف الدكتور النوري عند معجزة الغار واليقين المطلق بالله جل وعلا، مستشهداً بالآية الكريمة: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [سورة التوبة: 40]، مؤكداً أن القلب الذي يعمر بمعية الله لا تهزمه جيوش الدنيا. وعرج على مشهد خروج النبي ﷺ من مكة ووقوفه على جبالها متأثراً بفراقها، ومستعيناً بالمدد الإلهي حين نثر التراب على وجوه قريش تالياً قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [سورة يس: 9].

وتناول فضيلته قصة سراقة بن مالك الأشجعي، حين لحق بالركب النبوي، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه ابي بكر رضي الله عنه طمعاً في مئة من الإبل، وكيف غاصت أقدام فرسه في الأرض حتى طلب الأمان، ليبشره النبي ﷺ بسواري كسرى الذي كان يحكم نصف الكرة الأرضية آنذاك في وقت لم يكن يملك فيه الرسول درهماً ولا ديناراً، وهي النبوءة التي تحققت لاحقاً في زمن فتح العراق، ثم تلا ذلك استعراض لتبدل حال “يثرب” وتحولها إلى “المدينة المنورة” التي استقبلت الرسالة بأناشيد الفرح والصلوات، لتتحول الهجرة إلى مشروع رباني غير مجرى التاريخ ونقل البشرية من عبادة الأوثان إلى رحاب العدل والإنصاف.

وفي الشق الثاني من الخطبة، وجه فضيلته ثلاث رسائل إعلامية وسياسية واجتماعية هامة؛ بدأت الرسالة الأولى إلى ساسة العراق، مطالبة إياهم بالأعمال لا الأقوال، والبدء بمشاريع حقيقية تستوعب آلاف الخريجين من الشباب في بلد يمتلك نهري الخير وأرض السواد المليئة بالكنوز، مشدداً على أن أزمة العراق ليست في قلة الخيرات بل في “قلة الأمان والوفاء والمصداقية”، مذكراً بالحديث القدسي لرسول الله ﷺ عن ربه أنه قال لموسى عليه السلام: «يا موسى لا تخشَ من ذي فقر ما دامت خزائني ملأى، وخزائني لا تنفذ أبداً».

وجاءت الرسالة الثانية موجهة إلى الشعب العراقي بضرورة التماسك، والاعتصام بحبل الله، ونشر الهدية والنور بين المحافظات والمجتمعات، والحفاظ على أمن البلد وصلة الأرحام ووحدة الكلمة. فيما اختتم فضيلته بـ الرسالة الثالثة الموجهة إلى علماء الأمة من السُّنة والشيعة، بوجوب التركيز في خطابهم على المواطن المشرقة والعهد الأول وما يجمع الأمة ويوحد صفوفها، والابتعاد التام عما يذكي الفرقة والاختلاف؛ مستشهداً بالأمر الإلهي بالصلاة على النبي ﷺ في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّون عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة الأحزاب: 56]، سائلاً المولى عز وجل في هذا الشهر الحرام أن يتقبل التوبة ويوحد صفوف العراقيين جميعاً.

Share with

Start typing and press Enter to search