(الدفاع عن والديّ النبي) عنوان خطبة الجمعة من جامع القدس وسط العاصمة بغداد

تحدث فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري نائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي وخطيب جامع القدس وسط العاصمة بغداد، اليوم الجمعة في خطبته (١٣ شباط ٢٠٢٦ م – ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ)، عن والديّ رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي ظلال الاستعداد الروحاني لاستقبال شهر رمضان المبارك، وفي أيامٍ جُعلت للتجلي والرقي نحو النور والعبادة، يقف الضمير الإيماني موقف الدفاع والبيان عن مقام سيدنا رسول الله محمد ﷺ، رداً على أصواتٍ نشزت بعد أربعة عشر قرناً، تدعي العلم وتبث عبر منصات التواصل الاجتماعي بغضاً لوالدي النبي ﷺ، زاعمةً أن في ذلك إرضاءً لله ورسوله، وهو زعمٌ يدحضه صريح القرآن وصحيح الأثر.

​إن الفصل في هذه القضية يبدأ من تقرير الحق الإلهي في قوله تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (سورة الإسراء: 15)، ووالد النبي عبد الله ووالدته آمنة هما من “أهل الفترة” الذين لم تدركهم دعوة رسالة سابقة على وجه التكليف، والحكم الشرعي فيهم هو النجاة. ويعزز ذلك ما ذهب إليه حبر الأمة ابن عباس في تفسير قوله تعالى: «وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» (سورة الشعراء: 219)، بأن النور النبوي تقلب في أصلابٍ طاهرة وأرحامٍ مطهرة، لم يمسسها دنس الجاهلية.

​إن هذا الاصطفاء والاجتباء لسيدنا رسول الله ليس حكماً عقلياً بشرياً يخضع للمنطق القاصر، بل هو قانون إلهي أزلي؛ فقد نص القرآن الكريم على اصطفاء بيوتات بعينها: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ» (سورة آل عمران: 33). وهذا الاصطفاء شمل ذات النبي، وروحه، ونبوته، وكل ما يحيط به من نسبٍ وصهر. ومن العجب أن يتشبث البعض بروايات “آحاد” قد يُساء فهم ظاهرها وتُترك نصوص القرآن الصريحة التي تنهى عن أذى النبي، فمقام النبوة يقتضي أعلى درجات الأدب، والقرآن الكريم حذر من مجرد رفع الصوت فوق صوته ﷺ خشية حبوط العمل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ * أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ» (سورة الحجرات: 2). فكيف بمن يتجرأ بألفاظ الأذى في حق والديه؟

واضاف فضيلته ​لقد اختار الله لوالد النبي اسم “عبد الله”، ولم يكن عبد الحجر أو الوثن، وهي رسالة إلهية للمشككين. أما السيدة آمنة، فهي التي رأت النور يخرج منها ليضيء بصري من أرض الشام عند ولادته، فكيف يُنصب البعض أنفسهم قضاةً في محكمة العدل الإلهية للحكم بالنار على من اختارهم الله لوعاء نوره؟ إن الحق سبحانه يقول: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (سورة الأحزاب: 57)، وأي أذى أشد على قلب المصطفى من النيل من والديه؟

​وفي هذا السياق، يبرز الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ اصطَفَى كِنانةَ مِن ولَدِ إسماعيلَ، واصطَفَى قُرَيشًا مِن كِنانةَ، واصطَفَى مِن قُرَيشٍ بَني هاشمٍ، واصطَفاني مِن بَني هاشمٍ»، وهذا يؤكد أن الاختيار الرباني قام على الخيرية المطلقة “خيارٌ من خيارٍ من خيار”.

​ومع إطلالة شهر رمضان، الذي تُفتح فيه أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران وتُصفد الشياطين، كما جاء في الصحيحين، نذكر أن الغاية من الصيام هي التقوى: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». والتقوى لا تكتمل إلا بتمام المحبة والتعظيم لرسول الله ﷺ، مصداقاً للحديث المتفق عليه: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ».

​ختاماً، ونحن نستقبل هذه الليالي المباركة، نتوجه بالدعاء أن يبلغنا الله رمضان صائمين قائمين، وأن يرفع البلاء عن بلادنا وعن أهلنا المستضعفين في فلسطين وغزة، وأن يجعلنا ممن تأدب بآداب النبوة، فترك عيوب الناس واشتغل بتهذيب نفسه، ليكون أهلاً لتجليات هذا الشهر الكريم.

Share with

Start typing and press Enter to search