وسط أجواء إيمانية مباركة…مجلس علماء الرباط المحمدي يقيم مجلسا محمدياً في المسجد الآلوسي، بحضور جمع من المؤمنين وطلبة العلم.
ألقى سماحة السيد عبد القادر الآلوسي، رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، محاضرة فكرية قرآنية بتأريخ ٧ك٢ ٢٠٢٦م، في رحاب المسجد الآلوسي في مدينة الفلوجة، تناول فيها مفهوم التدبر وأنواع الانتفاع من النص القرآني، مبيناً عمق العلاقة بين الإنسان وكتاب الله، ومؤكداً أن القرآن ليس نصاً نظرياً مجرداً، بل كتاب هداية وعمل وتطبيق في صميم الحياة.
استهل سماحته حديثه بتوضيح طبقات التعامل مع القرآن الكريم، واصفاً الطبقة الأولى بالمتبركين، وهم الذين يتعاملون مع القرآن بقصد التبرك، سواء بحمله، أو قراءته طلباً للبركة، أو الاستشفاء بآياته، مؤكداً أن هذا النوع من الانتفاع عمل مقبول ومشروع، مرتبط بحاجات المؤمن الروحية والنفسية.
ثم انتقل للحديث عن نوع آخر يتمثل بقراءة القرآن بقصد تعلم القراءة أو طلب العلم الشرعي، حيث يتعلم طلاب العلم القرآن وعلومه، ويضبطون ألفاظه ومعانيه، في ميدان علمي واسع له أروقته ومدارسه وأساتذته، وقد تجتمع هذه المرحلة مع التدبر وقد تنفرد عنه.
وبيّن سماحته أن هناك نوع من الانتفاع من القران الكريم بتعلم علوم القرآن بوصفها مدخلاً لعلوم أخرى، كعلوم الفقه، واللغة، والبلاغة، وغيرها من العلوم الإسلامية، حتى يصبح المتعلم عالماً في علوم القرآن، إلا أن القرآن، مع ذلك كله، ليس كتاباً نظرياً ككتب المنطق أو الفلسفة أو الفكر، وإنما هو كتاب هداية وكتاب واقعي عملي، غايته إيصال الإنسان إلى المقصد والغاية، مما يفرض علينا أن يكون تعاملنا معه بوصفه كتاب عمل وتطبيق، وهذا هو جوهر التدبر.
وانطلق سماحته إلى بيان مفهوم «التلقي» بوصفه مصطلحاً قرآنياً جوهرياً، موضحاً أن للتلقي مستويات، منها التلقي النظري، الذي يكون بتعلم القرآن وألفاظه وعلومه على يد الشيخ، ومنها التلقي الأعلى الذي سمّاه تلقي التدبر أو التلقي العملي التطبيقي، وهو تلقي الهداية.
وبيّن أن هذا التلقي ينقسم إلى نوعين: تلق موهوب وتلق مطلوب.
وأوضح أن التلقي الموهوب هو ما أسماه بالتلقي المحمدي الحكيم للقرآن، وهو الطريقة التي أرادها الله تعالى لنبيه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في تلقي الوحي، وهو أعلى مستويات الانتفاع من القرآن الكريم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، مبيناً أن هذا التلقي ليس قائماً على الطلب أو الحفظ، وإنما على القرب، والاستعداد، والأهلية، والتسليم الكامل لله تعالى، وهو تلق يربي الشخصية ويبني الفرد والمجتمع.
وفي مقابل ذلك، تحدث سماحته عن التلقي المطلوب أو العلاجي، وهو التلقي القائم على الطلب والحاجة، كما في تلقي سيدنا آدم عليه السلام، حين قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، حيث كان التلقي هنا استجابة لحاجة التوبة والمغفرة، وهو تلق مشروع يعالج حاجة الإنسان، سواء كانت معرفية أو سلوكية.
وأكد سماحته أن كلا النوعين من التلقي هما من الله تعالى، غير أن التلقي المحمدي يمثل الذروة العليا للانتفاع من القرآن، لأنه مرتبط بالقرب من الحضرة الإلهية، موضحاً الفرق بين «العندية» و«اللدنية»، فالعندية تعبر عن قرب عام، كما في قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾، أما اللدنية فتعبر عن قرب أخص وأدق، كما في قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾، وهو علم خاص متصل بعالم الأمر الإلهي، يحتاج إلى أهلية واستعداد روحي خاص.
وبيّن سماحته أن هذا التلقي لا يتحقق بالطلب فقط، بل بالاستعداد، والتقوى، والتسليم لله في النتائج، إذ إن العطاء الإلهي يأتي بحسب مقام المتلقي، فيتفاعل المؤمن مع القرآن في كل مراحل حياته، ويرى أن كل آية تخصه شخصياً، فيراجع نفسه عند كل أمر ونهي، حتى في الآيات التي يظن أنه غير معني بها، فيسأل نفسه عن نصيبه منها على مستوى السلوك أو النية أو الخلل الخفي.
وتوقف سماحته عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾، موضحاً أن السُكر لا يقتصر على شرب الخمر المحرم، بل يشمل سُكر الأنا، وسكر المال، وسكر الجاه، وسكر الانتماءات والأهواء، وأن من يدخل الصلاة وهو مشغول بهذه الأنواع من السكر لا ينتفع من صلاته ولا من القرآن، لأن الصلاة ذكر، والذكر قرآن، ولا يتحقق الانتفاع إلا بحضور القلب واستعداده للتلقي.
وأشار سماحته إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعبد ويتأهل في غار حراء استعداداً لتلقي الوحي، وأن ما ناله من مقام عظيم كان ثمرة تضحية وتسليم وأهلية فريدة، مع الإصطفاء الإلهي، ومن سار على نهجه في التلقي، واستمع للقرآن بصدق واستعداد، جعل القرآن معلماً له في حياته، كما أن التلقي من العلماء العارفين بالله، وأهل العمل بالقرآن، هو نوع من تلقي القرآن نفسه، لأنهم يجسدون القرآن سلوكاً وواقعاً، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرآناً يمشي على الأرض.
وختم سماحته بتأكيد أن التلقي المحمدي ينتج علوماً زكية طاهرة، خالية من الأهواء والنزعات النفسية، وهو الضمانة الحقيقية لعدم الوقوع في الغلو أو التشدد أو التطرف أو التكفير، لأنه تلق من الله لا تشوبه أهواء البشر، ودعا إلى الاهتمام بتأهيل الفرد والمجتمع لهذا النوع من التلقي، عبر الجمع بين تعليم القرآن، والتدبر، والعمل، وبناء الأهلية الروحية والأخلاقية، مؤكداً أن القرآن ليس للحفظ المجرد دون عمل، وإنما هو هداية للمتقين، أهل الاستعداد والتقوى.
وفي ختام المجلس، رفع سماحة السيد دعاءه إلى الله تعالى أن يجعل الحاضرين من أهل التلقي، والسائرين على خطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخطى العلماء العارفين بالله، من أهل المقام المحمدي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.






















