(هندسةُ الإصلاحِ الإلهي)

عنوان خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري
من جامع القدس – شارع فلسطين – وسط العاصمة بغداد

ألقى فضيلةُ الشيخ الدكتور محمد النوري، نائبُ رئيسِ مجلسِ علماءِ الرباطِ المحمدي وخطيبُ جامعِ القدس بالعاصمة بغداد، خطبتَه اليوم الجمعة 21 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق 12 كانون الأول 2025م، متحدثًا عن (هندسة الإصلاح الإلهي)، قائلًا: «أيها المؤمنون، في الجمعة الماضية كنا عند هندسة الرحمة، واليوم نتحدث عن هندسة الإصلاح الرباني؛ تلك الهندسة التي جاء بها القرآن الكريم، وقبل أن أبتدئ، اسمحوا لي أن أدخل متأدبًا إلى جامعة الإصلاح الربانية، جامعة الإصلاح التي شادها أنبياء الله ورسله، مبتدئًا بسيدنا آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيدنا محمد، وما بينهما من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ۝ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ سورة البقرة (8–10).

وبيّن فضيلته أن الإصلاح في منظور القرآن الكريم قولٌ يُصدّقه العمل، وإيمانٌ تتحقق آثاره في الواقع، وهو تحمّلٌ للمسؤولية، وأداءٌ للأمانة، وصدقٌ في الأقوال والأفعال. وأكد أن الإصلاح طريقٌ مليءٌ بالتضحيات، وأنه يشمل الإصلاح الديني، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والعمراني.

وأشار إلى كثرة من يدّعون الإصلاح وهم غارقون في الفساد، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ سورة البقرة (11–12).

وقال فضيلته إن الإصلاح منظومة متكاملة، مستشهدًا بقول النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»، مبيّنًا أن المسؤولية تبدأ من ربّ الأسرة، والمربي، والمعلم، والخطيب، والمدير، والوزير، والحاكم، كلٌّ في موقعه، وضرب أمثلة قرآنية للإصلاح؛ فهذا شعيب عليه السلام يُصلح الميزان، وهذا داود عليه السلام يُقيم العدل في القضاء، وهذا سليمان عليه السلام يجمع بين الدين والدولة، ومع عظيم ملكه كان عبدًا مصلحًا، وهذا موسى عليه السلام يقف في وجه فرعون قائلًا كلمة الحق.

وبيّن فضيلة الشيخ النوري أن الإصلاح هو المشروع الإلهي الذي أراده الله سبحانه وتعالى للبشرية، وأن جميع الأنبياء كانوا دعاة إصلاح، موجّهًا نداءً عالميًا للعودة إلى الإصلاح الشامل؛ الديني والاجتماعي والسياسي والأمني.

وأكد أن الله لا يهلك أمةً تعمل بالإصلاح، وإنما يكون الهلاك حين يسود الفساد، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ سورة الإسراء (16).

وكشف فضيلته أن هندسة الإصلاح جاءت عبر الإنسانية جمعاء، مستشهدًا بخطاب النبي ﷺ في حجة الوداع على جبل الرحمة:
«يا أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم…» مبينًا أن هذا خطابٌ عالميٌّ يقوم على الرحمة، ونبذ القتل، والكراهية، والتنازع، والدعوة إلى السلام والأمان.

وختم هذا المحور بالتأكيد على أن الإصلاح يبدأ بإصلاح النفس: تزكيةً، وخشوعًا، وخضوعًا، ولينًا بعد قسوة، وذكرًا بعد غفلة، مؤكدًا أن الإصلاح هو سفينة نجاة البشرية.

وفي الخطبة الثانية، استشهد فضيلته بقوله تعالى:
﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾
سورة النساء (114)، وبيّن حال الجاهلية قبل بعثة النبي ﷺ، من اقتتال، وربا، ووأدٍ للبنات، وظلمٍ شامل، مؤكدًا أن رسالة محمد ﷺ جاءت لتحرير الإنسان وصيانة كرامته، وأضاف أن جاهلية العصر الحديث، بما تحمله من حروب، وربا عالمي، وشهوات مدمرة، أشد خطرًا من جاهلية الأولى، مؤكدًا أن النبي ﷺ خاطب البشرية كلها بقوله: «يا أيها الناس»، لا تمييز فيه بين دين أو مذهب.

واستذكر فضيلته حادثة زيارته إلى سنجار ، ولقاءه بكبير الإيزيديين، في سياق ما تعرّض له الإيزيديون من جرائم إبادة وتهجير بين 2013–2017م، مبيّنًا كيف أوضح له أن الإسلام ورسول الإسلام بريئان من تلك الجرائم، وأن من ارتكبها عصابات إجرامية لا تنتمي إلى دين ولا إنسانية، مشيراً إلى تأثر الشيخ الإيزيدي وبكائه، بعد بيان أخلاق النبي ﷺ في العفو، وتحويل الأسرى إلى معلمين، والعفو العام يوم فتح مكة، مؤكدًا أن رسالة محمد ﷺ رحمة لا سيف، وحياة لا قتل.

واختتم فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري خطبته بالدعوة إلى التسامح والعدل ونبذ البغضاء، والرجوع إلى رحمة الله، سائلًا الله تعالى أن يحفظ العراق وشعبه، وأن يعمّ السلام والأمان في ربوعه.

Share with

Start typing and press Enter to search