في مجلس من مجالس النور المحمدي.. سماحة السيد الآلوسي يُبحر في وصف سورة النور للمنهج المحمدي ولتفصيلها لموجبات الرحمة وموجبات الفتنة والعذاب في الأمة
في مجلس من مجالس النور المحمدي.. سماحة السيد الآلوسي يُبحر في وصف سورة النور للمنهج المحمدي ولتفصيلها لموجبات الرحمة وموجبات الفتنة والعذاب في الأمة
* انعقد المجلس المحمدي المبارك في مسجد الآلوسي في مدينة الفلوجة حماها الله، الخميس 2 آذار 2023م، وقد ابتدأ المجلس بمحاضرة لسماحة السيد عبد القادر الحسني الآلوسي، رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، تضمنت وقفات مع آيات كريمة من سورة النور، والدلالات والإشارات الربانية للمنهج المحمدي في هذه السورة المباركة، ومن أبرز هذه الدلالات:
* تحدثت سورة النور عن طاعة الله وطاعة الرسول، محذرة من حدوث نكسة في حال التولي عن الطاعة الربانية أو الانحراف عن منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الإيمان به، إذ يقول تعالى في الآية 47 من السورة: (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ)، فهذه الآية الكريمة تبين أن فريقاً من الأمة سيتولى عن الطاعة بعد الإيمان، لذا نفى الله تعالى عنهم صفة الإيمان.
* كذلك تطرقت السورة الكريمة إلى ما ينتجه الإلتزام بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، إذ يقول تعالى في الآية 56 من السورة: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، فالرحمة هي نتيجة الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلما كانت الأمة محققة لنسبة عالية من طاعة الرسول دون طاعة غيره، ومن اتباع الرسول دون اتباع غيره، ومن البحث عن مراد الرسول لمراد الله دون البحث عن مراد غيره؛ كانت الرحمة متحققة فيها حتى تتصف بالرحمة في كل تصرفاتها.
* أما من يتولى عن طاعة الرسول وعن اتباع أوامره والبحث عن مراده، فقد يؤول بالأمة إلى حال وصفه الله تعالى في سورة النور كذلك في الآية 63 منها إذ يقول: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فالإعراض عن طاعة الرسول يأتي بالفتن والعذاب للأمة، فدعاء الرسول الذي وضحته الآية هو منهجه ودعوته ورغبته ومراداته فيما يجب أن تكون عليه الأمة، فمن يجعل هذا المنهج المحمدي الأصيل دون منزلته، ويساويه بأقوالٍ لعلماء أولين أو آخرين أو مجتهدين أو مؤولين؛ كانت الفتنة هي النتيجة، فهذا تولٍ عن طاعة الله وعن طاعة الرسول.
* وفي قوله تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ)، فإن اللغة العربية عرفت التسلل بأنه التأخر أو التقدم على الصفوف وفيها بلا إذن، وهنا الآية الكريمة جاءت محذرة من التقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرأي أو التشريع أو المرادات، فالمتسللون هنا يلوذون بأمر رسول الله لكنهم يتسللون عنه، فيُدخلون في الأمة آراء ومرادات باسم رسول الله لكنها بعيدة عن منهجه ومراده، فيفسدون على الأمة طاعتها لرسولها، وبهذا التسلل تأتي الفتن في الأمة ويتفرق جمعها.
* المنهاج المحمدي هو الذي يطابق فيه الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لذا على الأمة أن تجتهد في طاعتها لرسول الله وبحثها عن مراده، أكثر من اجتهادها في البحث عن أحكام ومرادات أخرى بعيدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكلما اقتربت الأمة من التطابق مع مراد رسول الله كانت النتيجة رحمة كاملة تتطابق ونسبة الاتباع والطاعة، وكلما كان التسلل حاضراً في الأمة كانت الفتن والعذاب الأليم هما النتيجة الحتمية عن هذا التسلل والتولي والإعراض عن مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
* دعوتنا في المحمدية البيضاء هي أن تجتهد الأمة في معرفة مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لتوثق وترسخ هذا المراد، وتعمل على اتباعه دون اتباع غيره من المرادات لبعض المتقديمن أو المتأخرين، فاللوذ بهم وبآرائهم واجتهاداتهم تسللاً دون تحقيق مراد رسول الله أدخل الأمة في مسالك ثانوية بعيدة عن منهج رسول الله.
* أهل الذكر والتصوف العرفاني الأصيل حذروا مريديهم وأتباعهم من خطر التسلل عن مراد الله ورسوله، وفي ذلك يروي الإمام أحمد الرفاعي قدس الله سره العزيز، عن شيخه عبد الملك الخرنوتي الذي أوصاه قائلا: “يا أحمد، ملتفت لا يصل، ومتسلل لا يفلح، ومن لم يعرف في نفسه النقصان فكل أوقاته نقصان”، فبهذا الأدب كان رجال التصوف الأوائل يربّون أنفسهم ومريديهم على طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير متسللين عن منهجه، وهو ما على شباب اليوم أن يعرفوه ويعملوا به، فبالطاعة لله ولرسوله يصونون أنفسهم وأهليهم وأمتهم، إذ أن التسلل في الأمة أدى بها إلى الفتنة وإلى العذاب الأليم.
* وبعد الانتهاء من المحاضرة بما حملته من تجليات نورانية، وإيضاحات عرفانية، وتأملات ملكوتية؛ وعقب تلاوة آيات قرآنية، صدحت حناجر المنشدين بقصائد المدح والشوق والمحبة، فأبحروا بقلوب الحاضرين إلى رحاب الحضرة المحمدية، والعترة الزكية، ليُختم مجلس النور المبارك بدعاء للأمة بالصلاح والإصلاح ولشهدائها بالرحمة والمغفرة






















