خطبة الجمعة في جامع القدس ببغداد (عالميةُ الرسالة المحمّدية)

(عالميةُ الرسالة المحمّدية) عنوان خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري من جامع القدس وسط بغداد

أستهل فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري، نائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، إمام وخطيب جامع القدس بالعاصمة بغداد خطبته اليوم الجمعة ( ٢٦ شوال ١٤٤٦ هـ / ٢٥ نيسان ٢٠٢٥ م )، قوله تعالى في سورة الانبياء الاية ١٠٧ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وكيف كانت هذه الرسالة المحمّدية للعالمين جميعاً للأنس والجنّ لكل ابيض وأسود ولكل عربي وأعجمي.

وبيّن فضيلته في خطبته، ان الرسالة المحمّدية يراد لها ان تصل لكل الخلائق من الأنس والجن، فعن تَميم الداري رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«‌لَيَبْلُغَنَّ ‌هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ»، مضيفاً “فبما أن هذه الرسالة عالمية فيجب ان يكون الخطاب عالمي، وما دامت هذه الرسالة عالمية، فان الانوار والاسرار يجب أن تكون عالمية، ويأخذ اسفا على من يريد أن تكون هذه الرسالة لبيته فقط أو لمسجده لو لمدرسته او لمذهبه، فيا أيها الأخوة إن هذه الرسالة يجب ان تصل إلى الجميع والى كل المدن والبلدان.

وأضاف فضيلته، أن الإسلام الأول لم يقتصر على العرب فقط بل كلنا نعرف ان سلمان كان فارسيّاً، وصهيب كان روميّاً وبلال كان حبشياّ، فهكذا كان صدر الإسلام، ففي أفريقيا اليوم الملايين المسلمين، وعندما سألوهم قالوا ان بلالاً ضي الله عنه، صار وزيراً في الإسلام، وكان مؤذن للصلاة في زمن رسول الله، ولم يلتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بشرة بلال ولا إلى أصله الحبشي، ولكن نظر الى تقواه وايمانه، وحينما كان بلال يصرخ أحدٌ أحد، دخل الملايين من أفريقيا لهذا الدين، وحين أسلم صهيب الرومي أسلم الرومان في أوروبا وأميركا، وحين أسلم سلمان فقد أسلم الفرس والشرقيين، وهكذا كانت الدعوة المحمّدية دعوة عالمية.

وبين فضيلته إن هناك من يريد أن يُحجّم هذه الدعوة العالمية ويختزلها في نفسه ومذهبه وقومه وجماعته، وهؤلاء يريدون ان نتفرّق وان نتباغض وان نتعصب للفرعيات ونترك الهوية الإسلامية الجامعة، فيا أيها المؤمنون، أليس في الحج رسالة وحدوية للعالم كله، ألم يكن الحج لكل المسلمين، دون النظر إلى اللون والعرق والطائفة والمذهب والبلد، فكل الحجيج يرددون بصوت واحد ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ).

وأشار فضيلته الى أننا نقرأ يومياً سورة الفاتحة التي فيها أسرار الحمد والدعاء، وصدرك لا يسع جارك، وانت تقرأ الحمد لله رب العالمين وهو رب كل الخلائق باختلاف طوائفهم وقومياتهم وألوانهم وكل اتباع الشرائع، فحين أوجب الله تعالى قراءة هذه السورة يريد أن يذكرنا ويربينا على دلائلها والاخلاقيات التي فيها، فيجب ان تملئ قلبك محبة ورحمة حين تقرأ أهدنا الصراط المستقيم، فانت تدعو لنفسك ولغيرك، تدعو للآخرين بأن يهديك الله وإياهم إلى سراك الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فهذه العالمية في الدعوة، عالمية الرسالة المحمّدية، عالمية المنهج والمعايير والتعاليم، غير المغضوب عليهم الذي يقتلون الأبرياء ويأخذون حقوقهم، يهوداً ونصارا وحتى الذين يرتكبون افضع الجرائم بحق الأبرياء وان كانوا يقولون إننا من المسلمين او يرفعون راية الإسلام، فكل هؤلاء من الضالّين البعيدين عن المنهج الحق، لأن تصرفاتهم وبلائهم أوقع عليهم غضب الله رب العالمين.

وأشار فضيلته الى انه من الواجب علينا أيها الأحبه أن ننقل المفاهيم والمُثل العليا عن ديننا والرسائل المحمدية ليس لمجتمعاتنا فحسب بل لكل العالم، فقد جاء الوقت الذي يسألنا الآخرون أن فيكم رسول الله رحمة للعالمين، فيا أيها الأخوة إن لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة لي ولجاري وهو من غير مذهب وطائفة وقومية (ان أكرمكم عند الله اتقاكم)، فلا كرامة لك عند الله إلا بتقواك، فلا تستهين بأحد او تنتقص من أحد، فأن كنت محمديّاً فعليك ان تفهم ان محمداً رحمةً للعالمين، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي وهو يمتدح رسول ألله

يا من له الأخلاق ما تهوى العلا منها ومايتعشق الكبراء

زانتك في الخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع الكرماء

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنواء

وإذا عفوت فقادرا ومقدرا لا يستهين بعفوك الجهلاء

وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء

وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندى وللقلوب بكاء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء

يامن له عز الشفاعة وحده وهو المنزه ماله شفعاء

لي في مديحك يا رسول عرائس تيمن فيك وشاقهن جلاء.

وفي خطبته الثانية، وجه فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري، رسالة لكل السياسيين في العراق، أننا في بلدنا كلما تعافينا وصرنا لُحمةً واحدةً، جاءت الانتخابات ويبدء سباقهم كلٌ يتعالى على صاحبه، فنرى الموجات الطائفية تعود، وهذا ما لا يخدم البلد، ولا يجوز لا شرعا ولا يجوز عرفا. لا قانوناً، فاتقوا الله في العراق وشعبه، ولا تستهينو بما تقولون او تتكلمون في الاعلام، فلهذه آثار سلبية على التعايش السلمي وتمزق وحدة الصف، فنحن لا نريد أن نعود كما في السنوات السابقة، نريد بلداً مزدهراً متطورة متقدماً في العلم والعمل والبناء والمحبة والسلام، فخاطبونا بالمحمدية بالهوية العراقية الجامعة وبما انجزتم للعراقيين، فلا تخاطبونا بالطائفية لا تخاطبونا بالبغضاء لا تخاطبونا بالكراهية ، فقد كشفنا كل تلك الألاعيب، ولا طاقة لنا بفقد عزيز بعد ان فقدنا خيرة شبابنا الذين راحوا ضحية تلك المؤامرة المميتة واللغة الطائفية المقيتة، فالعراق عراق السنّة والشيعة، عراق العرب والكرد والتركمان والشبك، عراق المسلمين والمسيحيين وغيرهم وعراق كل القوميات، العراق جامع الكل فلا تفرقوه وتعيدوه الى زمن الاقتتال الطائفي، فلا نسمح لكم ولا نقبل منكم ولا نرضى بهذا الخطاب ابداً، بل نريد خطاب السلام والمحبة والتواصل ووحدة الكلمة ونكون مشتركين ببناء البلد وتقدمه بسواعد شبابنا وعلمائنا ومفكرينا، باطبائنا ومهندسينا، ونحافظ على حضارتنا وتراثنا وقيمنا وتماسكنا ووحدتنا، وان نُصدّر تلك القيم للعالم كله، فلا طائفية ولا كراهية ولا بغضاء في عراق اليوم، لا نريده ولا نقبل به بل ترفضه ونهجره.

وأختتم فضيلة الشيخ الدكتور النوري خطبته بالدعاء للعراق وشعبه وللمسلمين والمسلمات بالأمن والأيمان والسلام، وأن يتقبل الله صالح الأعمال وأن يحمي بلادنا وينعم عليه بالخير والازدهار انه وليّ ذلك والقادر عليه.

Share with

Start typing and press Enter to search