( إخلاص العمل لله ) عنوان خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري في جامع القدس ببغداد
دعا فضيلة الشيخ الدكتور محمد النوري، نائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، وإمام وخطيب جامع القدس في شارع فلسطين، وسط العاصمة بغداد، خطبته اليوم الجمعة ( ٢٨ رمضان ١٤٤٦ هـ / ٢٨ آذار ٢٠٢٥ مـ )، إلى انطلاق حملة استغفار كبيرة تعج بها ألسن وأفئدة المؤمنين، متحدثاً عن إخلاص العمل لله تعالى، وضرورة إقرار العبد بتقصيره أمام الله، وكيفية معالجة هذا الأمر بالصدقات وصالح الأعمال.
وتحدث فضيلة الشيخ النوري عن أهمية زكاة الفطر؛ لأنها جابرة للتقصير والنقص الذي قد يقع فيه الصائم أثناء صيامه في شهر رمضان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه).
وأشار فضيلته في خطبته إلى عدة محطات، إبتدئها بالمحطة الأولى هي أن يُختم عمل المؤمن بالاستغفار، وليس من الذنوب فقط وإنما للعبادة يقول الله تعالى في سورة الذاريات {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)}، فالمتقون بمنزلة عظيمة مع ذلك وصفهم بالمستغفرين، والابتعاد عن السيئات.
وذكر فضيلته، منزلة طلب العلم وكيف أن الملائكة تستغفر لطالب العلم وتضع له أجنحتها، حيث جاء في الحديث الشريف (مَن سَلَكَ طَريقًا يَطلُبُ فيه عِلمًا، سَلَكَ اللهُ به طَريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ المَلائكةَ تَضَعُ أجنِحَتَها لطالِبِ العِلْمِ رِضًا بما يَصنَعُ، وإنَّه لَتَستَغفِرُ له دَوابُّ البَحرِ، حتى الحيتانُ في البَحرِ)، وها نحن نفارق هذا الشهر الفضيل فما كان منا من تقصير في الصيام والصلاة والقيام فهذا لن يعوّض ذلك إلا الاستغفار يقول الله تعالى {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}.
وفي المحطة الأخرى، تحدث فضيلته عن الإستغفار بلغة الأنبياء والمرسلين وهي لغة عالية، مضيفاً “أن أهل العلم يقولون إن الله تعالى قد غفر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما تقدم وما تأخر، فقد جاء في سورة محمد .. {فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ} وهذا هو استغفار الأنبياء لأممهم وخاصة رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه يستغفر لأمته؛ لأنها محسوبةً عليه، فيما إذا ما بدر منها أي تقصير، فهو من سيتقدم يوم القيامة ويقف بين يدي الله تعالى وهو يقدم عرضا لله سبحانه {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)} وهو عليه الصلاة والسلام يستغفر لأمته، { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}. فلاستغفار بلغة الأنبياء والمرسلين شفقة ودعاء لأممهم وأقوامهم وأتباعهم.
وذكر فضيلة الشيخ الدكتور النوري، كيف تأتي الخلائق كلها يوم القيامة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم تطلب منه الشفاعة، بعد أن مرّوا على الأنبياء فكل منهم يقول نفسي نفسي، إلا عيسى بن مريم يقول لهم إذهبوا إلى محمد، فيقول الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه أنا لها أنا لها حتى يحضى بتلك المنزلة العظمية بعد أن يسجد تحت العرش، فيلهمه الله محامد لم يعرفها صلى الله عليه وسلم، حتى يقول الله تعالى يامحمد ارفع رأسك سلّ تُعطى واشفع تُشفّع.
وبين فضيلته إن الشفاعة العظمى هي أن يدعو النبي صلوات الله وسلامه عليه رب العالمين ان يبدأ الحساب لأنه موقف عظيم، متطرقا إلى جانبا من استغفار نبي الله نوح عليه السلام قال تعالى في سورة نوح ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾، فإن الله لطيفٌ حليم، واسعُ الرحمة كثيرُ المغفرة، وما عليك أيها العبدُ الغارق في الآثام إلا أن تجتهدَ بالتوبة والاستغفار، وستجدُ الله توَّابًا رحيمًا، فالاستغفار هو الدواء والعلاج والطريق للصلاح والنور والهدى والرزق ليلاً ونهارا، فستنجلي الكربات وتنقضي الحاجات.
كما وبين فضيلته موقف الاستغفار عند نبي الله يونس عليه السلام حينما التقمه الحوت، التجأ إلى الاستغفار وهو ينادي في الظلمات ان لا إله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين، وكيف أن الله تعالى نجّاه من الغم ومتوعداً -المستغفرين بالنجاة من الغم، والعسر والضيق والمرض، وأُغلقت في وجهك الأبواب فاطرق باب ربك بالاستغفار والتوبة فإنك ستجد البركات تنزل والرحمات ستغمرك وتفيض عليك فيضاً، فقد جاء في الحديث عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضِي اللَّه عنْهُما قَال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: منْ لَزِم الاسْتِغْفَار، جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجًا، ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ رواه أبو داود.
وأختتم فضيلة الشيخ الدكتور النوري خطبته بالدعاء للعراق وشعبه وللمسلمين والمسلمات بالأمن والإيمان والسلام، وأن يتقبل الله صالح الأعمال وأن يحمي بلادنا وينعم عليه بالخير والازدهار إنه وليّ ذلك والقادر عليه.






