في مجلس من مجالس النور المحمدي.. سماحة السيد الآلوسي يستمد من كتاب الله وحكم العارفين ما يعالج القلوب أمام الأحداث
انعقد المجلس المحمدي المبارك في مسجد الآلوسي في مدينة الفلوجة حماها الله، الخميس 2024/12/12 وقد ابتدأ المجلس بمحاضرة لسماحة السيد عبد القادر الحسني الآلوسي، رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، تضمنت وقفات مع آياتين كريمتين من سورة (المؤمنون)، والدلالات التي حملتاها فكان هذا محتوى المحاضرة:- بعد الحمد والصلاة على رسول الله :-

















نحتاج اليوم في ظل الأحداث الراهنة أن نستمد من كتاب ربنا ما يعالج أي اهتزاز في القلوب وخوف في النفوس فأحببت هنا أن نتدبر قوله تعالى لنبيه سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام(
“فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا)
فكل ما يفعله الأنبياء هو برعاية الله، ووحيه وهكذا المؤمنون إن ساروا على طريقهم، فإن كان صناعة الفلك لسيدنا نوح ع بعين الله فنبينا قال له الله (فإنك بأعيننا) وهذا أشمل فكل أعماله بعين الله ورعايته، وأمته ستكون تابعة لهذا كلما كانت تابعة وطائعة لأوامره، فلا خوف على مستقبل أمة الحبيب محمد صلى الله عليه واله وسلم من كل ما يحدث من فتنٍ ومن بلاءٍ ومن أوباء ومن مصائب، لأن كل ذلك في الحقيقة هو عملية صناعة، حتى الرمزية في (وفار التنور)، التنور نستعمله في صناعة الخبز فـ فوران التنور إن كان بمعنى هيجان النار فيه
فهو الإستعداد للعطاء يعني حتى على مستوى الفرد بمعنى
(من فار تنوره في حياته فلينتظر من الله الخبز) وعلى مستوى الأمة أيضاً،
فصناعة الفلك هو سيرة وعمل الأمة وهذا مستمر، يرمز لصناعة النجاة، وصناعة منهج، والأمة المحمدية لازالت في طور
بناء هذه سفينتها (سفينة النجاة).
وعلى مستوى الفرد، جلال الدين الرومي (رحمه الله) يقول:
كل عملٍ صالح تصنعه بعين الله وتحت سلطان وحي الله
فهو سفينة نجاتك، يأتي يوم وينجيك هذا العمل، وسيقف هذا العمل في يوم ما يدافع عنك لأنك صنعته بعين الله وتحت سلطان وحي الله، (كل الأعمال الصالحة).
وعظمة العمل يكون حسب مدى النفع الذي ينتفع به الآخرون من الأمة، ولذلك إذا أحببت أن تتخذ وسائل دفاعية في حياتك؛ فأكثر من عمل الخير بعين الله وبوحي الله …. كذلك لا خوف على مستقبل الأمة لأن الله هو الذي رسم لها الطريق إلى الغاية، يتحدث السيد الشيخ عبدالقادر الجيلاني (قدس سره) بقوله:
إذا صبّت عليك البلايا فقل حسبي الله فإذا كان الله حسبك فانتظر نهاية الطريق فسترى أنه يوصلك إلى النور حتى وإن كان عَبر الظلمات، أي أنه ربما تجد نفسك في طريق الظلمات ولكنك إذا وضعت أمرك بيد الله وكانت بداية سيرك لله، فهو سيوصلك إلى النور، أما هذه الظلمات التي في الطريق فهي لصناعة هذا النور… ولذلك أهل الله يقولون؛ الليل على الحقيقة هو مصنع الفجر، فالليل يصنع منه الفجر، إذا لم يأت الليل فلا فجر، لأن الفجر له طعم خاص أعني النور بعد الظلمة، ليس هنالك فجر إلا وهو يخرج من ظلمة، فإذا لم تأت الظلمة فليس هنالك فجر، فإذا جاءت مرحلة الظلام فهذا يعني أن هناك فجر في الطريق…… وفي قولٍ آخر للسيد الشيخ عبدالقادر الجيلاني (قدس سره) يقول:
إذا جاءك إبتلاء من الله أو جاءتك نعمة فاعلم أن الإبتلاء لتطهيرك والنعمة لتزويدك ما دمت في الطريق فكلاهما يأتيانك من رحمة الله بأثوابٍ مختلفة، لماذا؟ لتصل إلى نهاية الطريق، يقول العارفون بالله أيضًا
كلام لطيف جدًا يقولون:
إذا كنت في سفينة ومالت بك واشتدت الأمواج بسبب الريح،
فعليك أن تفرح لا أن تحزن، لماذا؟! لأن السفينة أصلاً لا تجري إلا بالريح وأنت تريد أن تصل إلى الساحل فأكيد هذه الريح ستسرع بك إلى غايتك، نعم صحيح أن السفينة
تتمايل فهي تفزعك وترعبك ولكن هي لمصلحتك فالله يريد إنقاذك من موج البحر يريد إيصالك
إلى ساحل النجاة، فإذن عليك أن تفرح بالرياح ولا تحزن،
فالرياح وسيلة مساعدة لنجاتك فكيف تحزن إذا رأيت الرياح؟
وفي تدبر قوله تعالى:
﴿ أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ﴾
فلا عبث في الخلق كل شيء بمقدار وترجعون أي ترجعون ليس في آخر المطاف فحسب بل في كل أمر
لأن مردّه إلى الله، أي لا تظن أي عمل يحصل بعيدًا عن الله، أو أن مرجعه ليس إلى الله فيحزنك هذا العمل لأنك حجبته عن صلته بالله، فإذا أيقنت أن كل الأعمال هي من الله ومرجعها إلى الله وأن ليس هنالك عبث في الكون، فسوف تطمئن، فأنت عليك أن تسعى في واجبك ولكن عليك أن تنتظر النتيجة من الله، وفي قول آخر للشيخ عبدالقادر الجيلاني (قدس سره) يقول: لا تسأل أين الله ولكن أنظر
إلى حالك أنت فستجد أن الله معك في عنايته وتدبيره لك، فهو معك فكيف تسأل أين هو الله؟
فنحن في سفينة النجاة إن شاء الله، والرياح من حولنا تسرع بنا
إن شاء الله، لأنها من الله في سفينةٍ صنعها الله لأمة حبيبه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس سفينة نصنعناها نحن أو أجريناها إنما هو ” باسم الله مجريها ومرساها ” فلاحظ ليس فقط المجرى باسم الله إنما المرسى باسم الله،… فمن أيقن بالمرسى لا يرعبه المجرى …..
اسأل الله تعالى أن يوصلنا إلى بر الأمان.

