في مجلس من مجالس النور المحمدي.. سماحة السيد الآلوسي يكشف أسرار التمام في قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله
انعقد المجلس المحمدي المبارك في مسجد الآلوسي في مدينة الفلوجة حماها الله، الخميس 15 حزيران 2023م، وقد ابتدأ المجلس بمحاضرة لسماحة السيد عبد القادر الحسني الآلوسي، رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، تضمنت وقفات مع قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، والدلالات والإشارات العرفانية التي حملتها الآية الكريمة خصوصاً مع توجه ضيوف الرحمن إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، ولتُروى نفوس المحبين وقلوبهم من تلك الديار التي تهفو إليها، ومن أبرز الدلالات التي حملتها الآية:
الله تبارك وتعالى لا يريد للعبادات أن تكون صورية وشكلية مجردة عن عمق معانيها، أو عن تأثيرها على القلوب والنفوس، بل يريد الله للعبادات أن تكون تامة، وتتميز بالتمام لعموم الأمة، لذا قال “وأتموا الحج والعمرة لله”، فأعظم مقامات العبادات ومنازلها هي حينما يؤديها العبد لله تعالى بنية صادقة وخالصة.
الحج في اللغة هو القصد، لذا فإن أول إتمام يريده الله تبارك وتعالى من عباده في أداء شعيرة الحج هو إتمام القصد في عمله لله، ولا نعني هنا القصد الظاهري والشكلي بل هو القصد القلبي في النية والعمل معاً، فالأمة مطالبة بأن يكون قصدها في كل عمل هو متجه لله تعالى كي ينعكس ذلك القصد نوراً وبركة على عملها، بخلاف من كان مقصده دنيوياً فحينها ستفيض مقاصده أموراً دنيوية.
من المعاني اللغوية لكلمة الحج هو إقامة الحجة، فيقال حجَّ فلان فلاناً – أي غلبه وسبقه بالحجة – وهنا يخطر على الأذهان سؤال: كيف يكون السبق والغلبة من المؤمن حينما نقول حج المؤمن البيت الحرام؟ وجواب هذا السؤال قد وردنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال وهو يطوف بالبيت الحرام: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم من حرمتك)، فالمؤمن كلما حقق الكمال في القصد والنية لله تعالى غلب المكان الذي إنما وُضع لأجل المكين، فالعظمة والحرمة للبيت الحرام جاءت من المؤمنين الطائفين فيه، فالبيت قد طافه إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السلام، كما طافه أقدس المؤمنين وأعظمهم حبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمن هنا تأتي حرمته، وكل من اقترب من الوصف الإيماني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فسيكون أعظم حرمة من البيت الحرام.
الأمة اليوم بحاجة لأداء الحج الأعظم، وهو العودة بحاضرها إلى ماضيها، إلى العصر المحمدي، إلى النبع الصافي، فهذا هو القصد الحقيقي من الحج وهو العودة إلى أصل الإيمان وجوهره، فكذلك يفعل المؤمن في رحلته للبقاع الطاهرة، وكذلك تفعل بعض الكائنات الحية كأسماك السلمون وطائر البجع وأسراب الإوز، فهي تسافر سنوياً إلى ديار نشأتها واستقرارها وصفاء عيشها، إلى مكان فطرتها وانتمائها الأول.
لابد للأمة اليوم أن تقيم وتتم الحج لله بإعادة مسارها إلى المسار الأول، وأن تعيد حساباتها وفهومها إلى العصر المحمدي، واتخاذ ذلك العصر أسوة وقدوة؛ لتعود بذلك إلى أوج حضارتها ومكانتها بين الأمم، بل لتعود إلى مكانتها عند الله تعالى حينما قال “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، فهذه الخيرية يجب أن نحافظ عليها بحج نوعي يكون خالصاً لله تعالى ويتسم بالكمال والتمام.
وبعد الانتهاء من المحاضرة بما حملته من تجليات نورانية، وإيضاحات عرفانية، وتأملات ملكوتية؛ وعقب تلاوة عطرة من آيات قرآنية، صدحت حناجر المنشدين بقصائد المدح والشوق والمحبة، فأبحروا بقلوب الحاضرين إلى رحاب الحضرة المحمدية، والعترة الزكية، ليُختم مجلس النور المبارك بدعاء للأمة بالصلاح والإصلاح ولشهدائها بالرحمة والمغفرة.
















